"المتوكل" بالغ الطمأنينة إلى أمر الله

أسماء النبي وصفاته
14:02 مساء
قراءة 4 دقائق

تقدم في حديث البخاري في التوراة: أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل وفي التنزيل: وتوكل على الله (سورة النساء الآية 81)، قال ابن دحية : المتوكل: الذي يكل أمره إلى الله، فإذا أمره بشيء نهض إليه غير هيوب ولا جزع .

يشير الدكتور عاطف قاسم المليجي في كتابه أسماء النبي في القرآن والسنة إلى اسم آخر من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم وهو المتوكل وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالتوكل فقال: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (سورة آل عمران الآية: 159) .فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَليْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (سورة التوبة الآية: 129)، وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيم (سورة الشعراء الآية: 217) . وَتَوَكلْ عَلى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (سورة الأحزاب الآية: 3) .

وقد ضرب رسول الله المثل الأعلى في التوكل على الله والثقة فيه والطمأنينة إليه والاعتماد عليه والرضى بما يفعل، وقد روى الإمامان البخاري ومسلم أن رسول الله كان يدعو ربه تعالى فيقول: اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك - لا إله إلا أنت - أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون .

وقد جاء وصف الرسول بالمتوكل في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري عن عطاء رضي الله عنه، قال: قلت لعبدالله بن عمر: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيرا، وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقوم به الملك العوجاء ملة إبراهيم التي انحرف بها الناس إلى الشرك بأن يقولوا: لا إله إلا الله ويفتح بها أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً .

خلق أصيل

يقول الدكتور رمضان المحلاوي في كتابه من أخلاق الإسلام: إن التوكل على الله تعالى خلق إسلامي أصيل، أرشدنا إليه ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم، وحث عليه وتخلق به رسول الله صلى الله عليه وسلم وبحسبنا في هذا الحديث أن نقف سوياً على معنى التوكل، وما أعده الله للمتوكلين، وإلى أي مدى يتوقف تقدم عجلة الحياة على التوكل، كما نشير إشارة وجيزة إلى التواكل الذي هو ضد التوكل ونقيضه، فبضدها تتميز الأشياء .

فالتوكل كما يقول العارفون بالله، والعالمون بهداياته: هو صدق اعتماد القلب على الله تعالى في استجلاب الخيرات، ودفع المضرات من أمور الدنيا والآخرة، مع الأخذ بالأسباب الموصلة لتحقيق ذلك عملياً، أما التواكل فهو العجز والكسل والقعود عن طلب الأشياء باتخاذ أسبابها التي ربطها الله بها، فما على الإنسان إذا عقد العزم على المضي في أمر من الأمور، أو شأن من الشؤون، ما عليه إلا أن يعد للأمر عدته، باتخاذ الأسباب الملائمة مع التوكل على بارئ الأرض والسماء الذي عليه وحده يتوكل المتوكلون، وبه يستعين المؤمنون المتقون، يقول ربنا تبارك وتعالى: ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً (سورة الطلاق الآية:3) . ومن الأمور التي ينبغي ألا تغيب عن أذهان العقلاء، أن التوكل على الله مصدر من مصادر القوة ، ففي الحديث الشريف: من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله (إتحاف السادة المتقين للزبيدي)، ويقول أحد الصالحين: حسبك من التوسل إليه، أن يعلم من قلبك حسن التوكل عليه .

سؤال صاحب الناقة

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما أحل، ودعوا ما حرم (سنن ابن ماجة)، ويقول أحد الحكماء: ابذر الحب، وارج التمر من الرب، كما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك السائل الذي جاء على ناقته أمام باب مسجد النبي، وقال: يا رسول الله أأترك ناقتي وأتوكل؟ أم أعقلها وأتوكل؟ فقال له النبي الكريم: اعقلها وتوكل (جمع الجوامع للسيوطي) أي اعقلها أخذا بالأسباب، ثم توكل على الله مفوضاً له أمرك وأمرها، فهو المتصرف في كل شيء، وهو المؤمل لكل خير .

هكذا يكون فهم الأمور على وجهها الصحيح، وأنه على العاقل البصير أن يكون مقبلاً على شأنه، حافظاً للسانه، يسعى في مناكب الأرض بجد وإخلاص، لكي يحصل من الأرزاق ما يحفظ حياته، ويدفع به غائلة الحاجة والفاقة عمن يعول، فذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون، فالتوكل على الله في السعي الدائم خير من الكسل والعجز والخمول، وكما يقول الرسول الكريم: اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول رواه أحمد .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"