آسر ومدهش أن تعيش في حلم، والأكثر روعة أن تستطيع التعامل بوعي مع ذلك الحلم، وأنت تدرك جيداً أنه مجرد حلم، ومع ذلك تراه يبني أمامك حياة كاملة، وأفكاراً مكتملة المعاني عميقة الدلالات.
في كل السرديات الأدبية غالباً ما كان الحلم المعادل الموضوعي للخيال، والذي يحرر الكاتب، ويمنحه فرصة للتحليق في فضاءات غير محدودة تسمح له بأن يتصرف بالأشياء، والأماكن والواقع، دون أن ينزعج قارئه، أو يهتف باستنكار وضجر: لا هذا مجرد خيال، ولا ينتمي للواقع.
الحلم هو تلك المسافة السردية الخاصة والشاسعة، هكذا إذن يمكننا أن نجترح تعريفاً جديداً له دون أن نلتفت إلى التعريفات النفسية أو «الفرويدية»، ودون أن نلتفت لتلك «الروحية» التي تتأول الأحلام، وتقرأ رموزها انطلاقاً من دلالات خاصة محددة لكل رمز ومعناه.
وربما يساعدنا كتاب أنطونيو طابوكي المترجم إلى اللغة العربية تحت عنوان «أحلامُ أحلام»، في الاقتراب أكثر من ذلك التعريف، والاقتناع أكثر بمدى صدقيته، وإمكانية تقبله.
يحكي طابوكي في كتابه عما يسميه «محكيات حُلمية متخيلة»، إنه يبني سرده الحكائي في كل الكتاب بأحلام لم توجد في الواقع لكنها بنت خيال قريب منه، وهي «واقعية» إلى حد أن يتصورها القارئ تداعيات حكايات في اليقظة لا في الحلم، لكنها مع ذلك تفسح للفانتازيا مساحة كبرى في ثناياها.
يستدعي طابوكي حكاياته، أو أحلامه المصطنعة عبر مجموعة من المثقفين (شعراء، فنانون، مفكرون، وغيرهم) يمثلون محطات متميزة، وأسماء كبيرة في الثقافة الإنسانية كلها، يقدم قبل كل حكاية نبذة قصيرة عن حياته، بحيث يربط الحكاية بأهم حدث في تلك الحياة، وبما أثر في تلك الشخصية، ويقدم من خلال كل ذلك نقداً اجتماعياً عميقاً لسيرورة المثقف، وعلاقته بالواقع، وارتهانه له، أو ثورته عليه، وغير ذلك من الإشكاليات التي نجدها غالباً في كتب الفكر لا في كتب السرد الممتع الخلاب.
يبدأ طابوكي كتابه بمقدمة يحاول أن يشرح فيها دافعه لبناء الحكايات الحلمية عن أبطاله أولئك، فيقول: «كثيراً ما راودتني الرغبة في معرفة أحلام الفنانين الذين أحببتهم»، ثم يمضي بنا ليشرح أكثر عن فكرته وكتابه فيقول: «أولئك الذين أتحدث عنهم في هذا الكتاب لم يتركوا لنا المسارات الليلية لأرواحهم، وهذا الفراغ يغري كثيراً بملئه، من خلال استدعاء الأدب لتعويض ما ضاع».
ورغم أن طابوكي أراد بناء الواقع من خلال التخيل، وتعويض ما لم يكتبه أولئك عن حياتهم وأحلامهم بكتابته هو، إلا أنه ينبه قارئه إلى أن كل ما سيكتبه هو في الأخير محض خيال، وأوهام، وافتراضات، من رجل يحن للأحلام المجهولة، ويقول: «أنا أعي أن هذه المحكيات البديلة، التي تخيلها رجل يحن للأحلام المجهولة، ليست إلا افتراضات بئيسة، أوهاماً باهتة، ترميمات بعيدة عن الاحتمال- هكذا ينبغي أن تُقرأ-».
لا يوضح لنا طابوكي كيف رتب شخصياته وحكاياتها الحلمية، ولا نعرف بالضبط لم بدأ ب «حلم ديدال»، وانتهى ب«حلم الدكتور سيجموند فرويد»، لكن يمكننا أن نربط الأمر بتسلسل زمني ما، لعله هو الأقرب لتفسير ترتيبه لشخصياته، فالزمن حاضر في بداية حكاية كل حلم في الكتاب، وأول حلم يبدأ بالجملة التالية: «ذات ليلة منذ آلاف السنين، في زمن لا يمكن تقديره بدقة، رأى ديدال المهندس المعماري والطيار مناماً».
النقد الذي أشرنا إليه آنفاً يبدو وكأنه خلاصة كل حكاية حلمية من حكايات الكتاب، ويبدو وكأن طابوكي أراد فقط أن يحكي تلك الأحلام ليجعلنا نستخلص منها أحكاماً قيمية نقدية دون أن يقولها مباشرة، إنه لعبة خداع ممتعة يلجأ إليها الكاتب مع قارئه عبر صفحات الكتاب المحدودة، والتي تُمَكن من قراءته بسرعة.
ولعل دراسة بعض الأمثلة من الحكايات الحلمية في الكتاب توضح بجلاء أبعاد أسلوب الكاتب الذكي، ففي حلم ديدال الآنف الذكر، يظهر وهو يجول في متاهة مُشكلة من الرقم ثمانية: ثمانية أركان، ثمانية أروقة، ويكرس الحلم ذلك الرقم بتكراره في فقرة أخرى حين يقول الكاتب في حكايته الحلمية: «أعاد ديدال الكرَة سبع مرات إلى أن تسرب في المحاولة الثامنة نحو رواق مديد»، ولا يشرح لنا الكاتب ما معنى الرقم ثمانية، وربما أراد إبقاءه غامضاً ليؤكد لنا الأجواء الحلمية، وأن ديدال المثقف الذي يدرك الحل في متاهته تلك، لا يستطيع تفسير «الثمانية» لأنه ببساطة في حلم، ثم تمضي حكاية الحلم بعد ذلك لنكتشف من خلالها أن ديدال أراد أن يكون هو الشخص المنقذ من المتاهة بالنسبة للآخرين، ولا يهمه بعد ذلك أن يبقى هو أسيراً في ثناياها، إنها شجاعة المثقف حين يقرر التضحية بذاته وكيانه، ومواجهة ما لا يُفهم من أجل أن ينقذ المجتمع من حوله.
في حكاية حلمية أخرى يرتحل بنا الكاتب نحو العوالم الليلية الروحية للشاعر الفرنسي المعروف أرثور رامبو، ويبدأ بحلمه في ليلة وفاته في الثالث والعشرين من يونيو/ حزيران 1891م، والذي يظهر فيه وقد استعاد ساقه التي بترت في الواقع قبل فترة قصيرة من موته، ويقول الكاتب سارداً تلك الفقرة بالغة الدلالة من الحلم: «ثم توجه نحو الطريق الرئيسة، يا للعجب، فهو لم يعد الآن يعرج، كان يمشي كما لو كانت له ساقان»، ولعله يريد من خلال ذلك الإشارة إلى أن السير بثبات وتوازن وعلى ساقين يستدعي من المثقف أن يحدد خياراته، ويتجه إليها دون تردد.
أما آخر الحكايات الحلمية التي أتى بها طابوكي، فكانت عن الذي وضع نظريته المشهورة حول الأحلام وتفسيراتها، إنها حكاية «حلم الدكتور سيجموند فرويد، مفسراً لأحلام الآخرين»، ويمكن اختزال الحكاية، في أننا لا يجب أن نثق كثيراً في أي نظريات لتفسير الأحلام، وتحليلها النفسي حتى ولو كانت صادرة عن فرويد نفسه، ويرمز الكاتب لذلك بأن فرويد نفسه يعاني أثناء تفسيره لحلمه ودوافعه النفسية المرتبطة بذلك، ولا ينجح إطلاقاً في الخروج من قبضتها، شأنه في ذلك شأن كل من يحلل أحلامهم.
الكتاب من منشورات الجمل، ومن ترجمة وتقديم رشيد وَحْتي، وقد صدرت الطبعة الأولى منه سنة 2007، ويقع في 140 صفحة.