محاذير النزعة "الثأرية" في حالة تونس

04:10 صباحا
قراءة 4 دقائق

مع اختلاف الظروف والخطاب الأيديولوجي للحزبين، فإن الحملة على حزب التجمع الدستوري في تونس تعيد إلى الأذهان الحملة في العراق على حزب البعث . لقد جرى في العراق اعتبار البعث تجسيداً للدكتاتورية، والأداء السلطوي واستئصال المكونات السياسية الأخرى، ويجري في تونس حالياً اعتبار التجمع رمزاً للرئيس المخلوع ولتسلط المقربين منه على البلاد والعباد .

حدث ذلك رغم الاختلاف الصارخ في الظروف التي ظهرت فيها الحملة في كلا البلدين . ففي العراق شنت الحملة بعد سقوط النظام السابق بفعل الاحتلال الأمريكي، بينما ظهرت الدعوة في تونس كأحد مطالب ثورة شعبية مدنية . في الحالة العراقية رغم وجود الاحتلال فإن أحداً حتى من أطراف المقاومة العراقية، لم يدع لعودة حزب البعث إلى السلطة، ما يعني ان هذه الدعوة لاستبعاد الحزب، رغم الظروف الشاذة التي انطلقت فيها إلا أنها تجد قبولاً عريضاً في الشارع .

في تونس وبتراثها المدني، من الملاحظ أن الدعوات لإقصاء حزب التجمع لا تقترن بأية دعوات ثأرية من التجمعيين، بما في ذلك من قادة الحزب، خلافاً لما جرى في العراق حيث تبادل البعثيون وخصومهم الكُثر حملات تصفيات دموية متبادلة .

من المعلوم أن التجمع قام بفصل الرئيس السابق وعدد من معاونيه وأصهاره، فيما قدم عدد آخر من القياديين استقالاتهم من الحزب منهم الرئيس المؤقت الحالي فؤاد المبزع ورئيس الوزراء حتى تاريخ كتابة هذا المقال محمد الغنوشي . وقياساً على الاستقالات فإنه من المتوقع أن تكون أعداد كبيرة من التجمعيين، قد تخلت عن الحزب الذي يقال إنه كان يضم في صفوفه نحو مليوني عضو .وهنا ثمة وجه شبه مع حزب البعث الذي كان حاكماً حيث يضطر الناس للانضواء في الحزب من باب الترهيب، أو الترغيب بالحصول على تسهيلات وفرص . وتمتد أوجه التشابه إلى سلطوية الحزب، فقيادة الدولة الفردية تقرر باسم الحزب وأعضائه ما تشاء، وليس لأحد من الحزبيين الاعتراض أو حتى محاولة النقاش، وهو ما تحدث به أحد أعضاء التجمع لمحطة تلفزيونية عربية، قائلاً إن الحزب كتنظيم لم يكن يشارك أدنى مشاركة في صنع القرارت السياسية، وهو ما يدركه خير إدراك رجل الشارع .

وفيما كان حزب البعث أحد المكونات الرئيسية لبلورة الاتجاه القومي وإحياء فكرة القومية العربية منذ منتصف القرن الماضي، فإن حزب التجمع الدستوري الذي كان اشتراكي النزعة في وقت سابق، يقترن أيضاً بالوطنية التونسية وبالنضال للتحرر من الانتداب الفرنسي وإقامة الدولة التونسية .

في سعي الجمهور التونسي العريض لبلورة حياة ديمقراطية حقة، وإرساء دولة القانون وتصفية الإرث السلطوي، فإنه لا مفر من الإقرار بالتعددية التي تشمل التجمع الدستوري كما حزب النهضة الإسلامي، وهو ما يتحدث به ممثلو سائر التيارات السياسية، في توقهم المشروع لبناء حياة سياسية تنبذ الاستئثار والاحتكار، وتضع حداً لسياسة الاقصاء والتهميش .

الخشية الآن أن تطال الحملة على حزب التجمع، تجمعيين لم يكن لهم يد في ما آلت اليه أوضاع البلاد، وانتسبوا للحزب بداعي التعلق بالوجه التاريخي للحركة الوطنية ممثلة بهذا الحزب .

والأصل أن تطال الحملة وفي إطار القانون والقضاء المتسلطين والفاسدين، بمن في ذلك الذين لم ينتسبوا للتجمع، إضافة إلى المنضوين في هذا الحزب، لا أن يكون عنوانها محاربة التجمع كتنظيم وعضوية . ذلك قد يهدد السلم الاجتماعي، ويؤلب ضد شرائح بريئة، ويؤسس لعنف سياسي جديد ما أحوج تونس لتفاديه، في هذه المرحلة التأسيسية التي تسعى فيها سائر القوى الحية السياسية والاجتماعية، لإقامة نظام تشاركي جديد يقطع مع الماضي، ويحافظ على الطابع المدني للمجتمع، ويفتح الآفاق أمام معالجة الصعوبات الاقتصادية التي تنوء شرائح عريضة تحت وطأتها .

إن المسار المتسارع للتطورات يدل على أن التجمع، الذي قاد البلاد لأزيد من نصف قرن بمشاركة محدودة أحيانا من قوى حزبية أخرى، هو في طريقه موضوعياً، إلى التحجيم دونما حاجة إلى تدخل قسري بشأنه أو تجريد حملة عرمرمية عليه، إذ إن غالبية أعضاء قاعدته، يدركون أن ما جرى في العهد السابق تم باسمهم ولكن في غيبة خياراتهم الحرة، وبعيداً عن الآليات الديمقراطية لاتخاذ القرارات . وبدلاً من حملة مكارثية على الحزب وأعضائه، فإن تعريضه للشمس (وضعه في دائرة الضوء) وفتح ملفات قياداته، سيؤدي حُكماً إلى تراجع حجم الحزب ومكانته، وعلى الأغلب إلى إعادة بنائه وربما إطلاق تسمية جديدة له، تتلاءم مع المراجعة الجذرية لمسيرته، ومع الخطاب السياسي والفكري الجديد الذي سيحمله . سيتم ذلك على الأرجح طوعياً على هدي التغيير الشامل الذي جرى ويجري حلقة بعد حلقة، كما من المتوقع أن يقع ذلك، للتواؤم مع أحكام قانون جديد للحياة الحزبية والتعددية السياسية يصار إلى وضعه في الأشهر القليلة المقبلة من لدن أطراف التشريع في مجلس النواب المنتخب والجهات ذات الاختصاص، ويحتكم الجميع إليه، في أجواء من التوافق، لا محل فيها للثأر من أبرياء أو للتشبث بامتيازات الماضي، فمن طبيعة الأمور ومنطق الأشياء أن يتحول التجمع إلى حزب بين الأحزاب، له ما لها وعليه ما عليها .

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"