قصر ابن وردان بناء طيني ممزوج بماء الورد

ارتبط اسمه بحكايا البادية السورية
12:34 مساء
قراءة 4 دقائق

يعد قصر ابن وردان الواقع على أطراف البادية السورية من أحد أهم المعالم الأثرية في سوريا لما يتمتع به من أسلوب ونسق معماري فريد من نوعه، فقد أراد ايزيدور وهو المهندس الذي قام بتصميمه أن يجعله آبدة معمارية فريدة ومتميزة عن المنشآت المعمارية الموجودة في ذلك الوقت في البادية السورية حيث بنى جدران القصر من الطين الممزوج بماء الورد، فكلما هطل المطر أو رش الماء على جدرانه انبعثت روائح الورد العطرة من القصر، كما استخدم في بناء القصر مواداً مختلفة عن تلك المستخدمة في الأماكن الأخرى في ذلك التاريخ حيث بني القصر من الحجر المختلط بالآجر الأحمر مشتركا في ذلك مع المباني الملكية في القسطنطينية .

قام أهل البادية المجاورون للقصر بنسج حكايا وأساطير حول القصر ومنها قصة حب يتداولها السكان منذ عشرات السنين تقول بأن حمدة وهي راعية يتيمة الأم خرجت يوما بقطيع الماشية للرعي في الصباح الباكر وكان لها ابن عم يسمى (ديبان) تكرهه كثيراً قد هددها بالقتل إن لم تقبل به زوجاً، وعندما اقتربت حمدة من القصر تركت القطيع بعيداً واستظلت بفيء القصر وغطت في النوم، وكانت رائحة العطر لا تزال تنطلق من القصر بعد سقوط الأمطار، وعندما وجدها ديبان نائمة عند جدران القصر راح يتأمل وجهها الجميل ويمسّد جبينها بيده حينها أفاقت حمدة مذعورة وفوجئت بابن عمها الذي تكرهه، فوقفت قبالته ونظرت في عينيه طويلاً ورائحة الورد تنتشر في المنطقة، ثم أمسكت كفّه مذهولة وقبلتها ومن يومها انتشرت الحكاية الأسطورة كأشهر قصة حب في منطقة البادية الغربية من سوريا، لتؤكد أن رائحة القصر الجميلة حركت بواعث الاطمئنان والحب لدى حمدة وغيرت عواطفها من كره مقيت إلى حب كبير .

يعود تاريخ بناء القصر إلى القرن السادس الميلادي أي فترة الإمبراطور جوستنيان جوستنيان (527-565م) وقد حمل القصر هذا الاسم نسبة إلى أحد شيوخ قبائل البادية التي سكنته في مراحل متأخرة، وبنيت بالقرب من القصر كنيسة تشبه في طرازها كنيسة سان فيتال في إيطاليا التي بناها الإمبراطور جوستنيان أيضاً، وفي العهد العثماني تحول الدير إلى قصر، وكان يطلق عليه دير الأقواس نظراً لكثرة الأقواس التي بنيت من الحجارة البازلتية السوداء ومن القرميد المربع .

وقد زار هذا المبنى عدد من الرحالة والباحثين والمؤرخين في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين منهم البارون فون أوبنهايم وستريغوفسكي، إلا أن الأبحاث الأثرية الجدية التي قام بها عالم الآثار هاورد كروسبي بتلر رئيس البعثة الأثرية الأمريكية من جامعة برنستون، التي قامت بأبحاث في سوريا بشكل متقطع بين أعوام 1889 و1909 تعد من أهم المراجع التي تناولت هذا المكان الأثري .

يقع قصر ابن وردان إلى الشرق من مدينة حماة السورية على بعد مسافة ستين كيلومتراً ناحية الحمراء شرقاً بمسافة عشرين كيلومتراً، ويتألف من ثلاثة أقسام رئيسية لا تزال محافظة على طابعها الأصلي ومشيدة بمداميك من الحجارة البازلتية ومداميك من الآجر بأسلوب متناوب يسمى الأبلق وهو أقدم أنموذج لهذا الطراز في العمارة السورية كما توجد بعض الحجارة الكلسية حول النوافذ بوجه خاص . وهذه الأقسام هي: الكنيسة الكبيرة، والقصر، والقسم الثالث يدعى الثكنة وهو مبنى عسكري متهدم .

ويعد القصر أهم الأجزاء الثلاثة وأجملها على الإطلاق، فهو صليبي الشكل مساحته نحو ألفي متر مربع تتوسطه باحة سماوية مربعة طول ضلعها 5 .25م، وأهم ما يميزه، أسلوب بنائه المسمى الأبلق، حيث بني من تناوب ثلاث حجارة بازلتية من النمط الأزرق مع الحجر المختلط بالآجر الأحمر .

ويتألف من طبقتين مبنيتين من الحجارة السوداء وألواح الآجر الكبيرة، الأول يحتوي على صفين من الغرف وأروقة عرضانية في الجانبين ينفذ بعضها إلى بعض، ويتصل بالأروقة صفان آخران من الغرف يلتقيان بصف آخر من الشمال، فيحدث بالتقائهما فناء كبير ومصلب . أما سقوف الغرف فهي على شكل أنصاف قباب مفلطحة، وفيه مدخل هو عبارة عن رواق يمتد إلى الشمال، له سقف معقود وسقف آخر نفقي ينفتح على الباحة الداخلية، وإلى الجنوب من هذا المدخل يوجد بئر ماء أثري، فيما تقع الكنيسة إلى الغرب من القصر، وهي مستطيلة الشكل لها مدخل يعلوه عتب بازلتي يحمل كتابة يونانية تؤرخ البناء بعام 564م، وكانت مزخرفة بالفسيفساء الملونة ذات المكعبات الحجرية والزجاجية والآجرية، ويشبهها الآثاريون بكنيسة سان فيتال في إيطاليا التي بناها أيضا الإمبراطور جوستنيان، كما يشبهونها بكنيسة آيا صوفيا في تركيا، ولا تزال فسيفساء جدرانها وأرضها وحنيتها موجودة حتى اليوم .

وكانت أرض الكنيسة مرصوفة بالحجارة والرخام على شكل زخارف هندسية جميلة، أما الثكنة فهي أكثر المنشآت الثلاث تعرضاً للخراب ومطمورة تحت التراب ما عدا الأجزاء العلوية منها، ويستدل منها على أنها كانت ذات مسقط شبه مربع، ويتكون من باحة يتوسطها بناء عال ذو طبقتين، تحيط بها غرف وقاعات، ويقع مدخلها في الجهة الشمالية تعلوه حجارة كتب عليها باللغة اليونانية القديمة: بنيت هذه الأسكفة في عام 873 (سلوقية) في العشرين من شهر دييس من الخمس عشرية في شهر تشرين الثاني 561م .

وقد قامت المديرية العامة للآثار والمتاحف في سوريا بترميم بعض أقسام القصر والكنيسة، وشهد القصر نشاطا سياحيا ملحوظا في السنوات الأخيرة وخاصة أثناء فعاليات مهرجان ربيع حماة الذي يقام سنويا في فصل الربيع ما ساعد على الترويج السياحي للأماكن الأثرية الموجودة في المحافظة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"