هل نجحت "القاعدة" في ما فشلت فيه جبهة البوليساريو؟

01:46 صباحا
قراءة 4 دقائق
في الأيام الأخيرة من شهر ديسمبر/ كانون الأول من سنة ،1999 وضعت جبهة البوليساريو سباق باريس داكار لسنة 2000 في كف عفريت حين أعلنت تخليها عن اتفاق وقف إطلاق النار القائم بين قواتها والقوات المغربية، وأكدت أنها ستضرب بقوة المتسابقين الذين يعبرون الصحراء الغربية. واستندت جبهة البوليساريو في إعلانها إلى كون الإقليم الصحراوي موضوع نزاع بينها وبين المغرب، وأن هذا الأخير لا يحق له وحده التقرير في شأن هذا الإقليم، وأن على منظمي سباق باريس داكار أن يحصلوا على موافقتها قبل دخول تراب الإقليم الصحراوي. وعلى الرغم من أن المراقبين الموضوعيين كانوا يدركون جيداً أن جبهة البوليساريو غير قادرة على تنفيذ تهديداتها، أولاً بسبب الخسائر السياسية الكبرى التي ستتكبدها في مواجهة سباق رياضي يشارك فيه متسابقون من مختلف جهات العالم، وتتابعه وسائل الإعلام الدولية بصخب كبير، وثانياً بسبب السيطرة العسكرية والأمنية القوية التي يمارسها المغرب فوق أرض الإقليم.واتضح أن هدف جبهة البوليساريو لم يكن هو منع السباق من عبور الإقليم الصحراوي أو ضربه عسكرياً أثناء العبور، بل كان هدفها هو إثارة الانتباه إلى وجودها وإلى مطالبها واستغلال الاهتمام الإعلامي واسع النطاق المرتبط بسباق باريس داكار. ولقد انطلق السباق المذكور في الأول من يناير/كانون الثاني من سنة ،2000 ملتزماً بالموعد الذي كان محدداً وبالمسار الذي كان قد رسم له، وقطع عدة مراحل على التراب المغربي، وعبر الصحراء الغربية، التي يعتبرها المغاربة جزءاً من وطنهم، قبل أن يتجه عبر موريتانيا ثم مالي إلى خط الوصول في العاصمة السنغالية.ولكن ما عجزت عنه التهديدات المباشرة لجبهة البوليساريو قبل سبع سنوات خلت نجحت فيه تهديدات غير مباشرة نسبت إلى تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي. فقد أعلنت الشركة الفرنسية المنظمة للسباق، الذي أصبح ينطلق من العاصمة البرتغالية لشبونة في السنوات الأخيرة، عن إلغاء السباق مساء الرابع من الشهر الجاري وذلك قبل ساعات من انطلاقه صباح اليوم التالي. وارتبط إلغاء سباق برشلونة داكار للعام الجاري أولا بحدثين داميين وقعا فوق التراب الموريتاني، يتعلق الأول باعتداء أدى إلى مقتل أربعة سائحين فرنسيين في الرابع والعشرين من الشهر الماضي، ويتعلق الثاني باعتداء آخر قتل فيه ثلاثة عسكريين موريتانيين في السابع والعشرين من الشهر نفسه، وارتبط إلغاء السباق ثانياً بصدور بلاغ لتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي في التاسع والعشرين من الشهر المنصرم يهاجم فيه التنظيم المذكور السلطات الموريتانية ويتهمها بالتعاون مع الصليبيين والكفار ويقدم مرور سباق برشلونة داكار بالأراضي الموريتانية دليلاً على ذلك التعاون. ورغم البلاغ وحدثي الاعتداء المشار إليها، فإن الشركة الفرنسية المنظمة للسباق، والتعاون مع السلطات الموريتانية التي تستقبل بلادها ثماني مراحل من مجموع خمس عشرة مرحلة يتكون منها هذا السباق، كانت عازمة على تنظيم دورته الثلاثين، وكانت مطمئنة إلى الاستعدادات الخاصة التي قامت بها نواكشوط، وإلى التزامها بنشر أربعة آلاف رجل، نصفهم من العسكريين، لحماية السباق وتأمين مروره في شروط عادية. ولكن ضغوطاً حكومية فرنسية قوية مورست على المنظمين من أجل حملهم على إلغاء السباق. وهكذا، فقد تدارس مجلس الوزراء الفرنسي المنعقد في الثالث من الشهر الجاري موضوع السباق، وذكر الناطق باسم الحكومة الفرنسية أن وزارة الخارجية تنصح الرعايا الفرنسيين بعدم التوجه إلى موريتانيا حتى إشعار آخر، وأشار إلى أن ما ينطبق على الأفراد ينطبق على السباق. وفي اليوم التالي لاجتماع مجلس الوزراء الفرنسي كان وزير الخارجية كوشنير أكثر وضوحاً حين أشار إلى أن الأراضي الموريتانية التي يعبرها السباق ليست آمنة، وإلى أنها مخترقة من قبل شبكات تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي. وعلى الرغم من أن كوشنير حاول أن يتجنب إعطاء الأوامر لمقاولة خاصة، فإنه شدد على خطورة الأمر، ولم يترك لهذه المقاولة خياراً آخر غير خيار إلغاء السباق، وكان سباق باريس داكار قد أنشئ سنة ،1978 ونظمت دورته الأولى سنة ،1979 وأصبحت تشرف على تنظيمه منذ سنة 1992 شركة اسبو الفرنسية، وتغير مساره جزئياً خلال دوراته التسع والعشرين. وسبق له أن عبر الجزائر وليبيا والنيجر ومالي إضافة إلى موريتانيا والسنغال قبل أن يعرف استقراراً في السنوات الماضية من العقد الجاري. وبعد تهديدات جبهة البوليساريو ضد سباق سنة ،2000 تعرض سباق سنة 2007 للتهديد من قبل الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية، واضطر المنظمون تحت ضغط التهديد الأخير إلى إلغاء مرحلتين فوق تراب دولة مالي. واستطاع السباق رغم الكثير من الأحداث والنزاعات أن ينظم دوراته السنوية من دون توقف خلال تسعة وعشرين عاماً. وأصبحت شركة اسبو الفرنسية العملاقة، التي تشرف على إصدار صحف رياضية واسعة الانتشار، وتنظم المنافسات الرياضية المختلفة، وخاصة في مجالات سباق السيارات وطوافات الدراجات الهوائية، بما فيها طواف دولة قطر، تعتمد في جزء مهم من رقم أعمالها وأرباحها على سباق برشلونة داكار.ولكن الشركة المذكورة لن تحرم من عائدات سباق سنة 2008 الذي ألغي، بل ستتكبد خسائر ضخمة بعد أن عبأت 551 سيارة وشاحنة ودراجة نارية للمشاركة في السباق و314 عربة للدعم والمساندة، وتعاقدت مع الكثير من الأطراف في المجالات المختلفة لتنظيم وتموين السباق وتسويق منتوجه. ولكن الخاسر الأكبر من إلغاء سباق برشلونة داكار يبقى هو موريتانيا التي كانت تستضيف أغلبية مراحل السباق، وتستفيد من جزء من عائداته المادية. وليست الخسارة المادية المباشرة هي أخطر ما تكبدته موريتانيا، بل إن أخطر ما أصاب هذه الأخيرة هو انعكاس قرار الإلغاء على صورتها. ومن سوء حظ موريتانيا التي عولت كثيراً، وعن حق، على استثمار الصورة الحسنة التي تشكلت عنها خلال العامين الماضيين إثر نجاحها في تأسيس ديمقراطية واعدة وتنظيم انتخابات محلية وتشريعية ورئاسية تنم عن قدر مشجع من النزاهة، أنها عرفت أحداثاً أساءت إلى تلك الصورة، بدءاً بفضائح تهريب الكوكايين مروراً بالتظاهرات العنيفة، وصولاً إلى التشكيك في سلامة وأمن أراضيها، ودعوة الأجانب إلى تجنب زيارتها. وعلى الرغم من خيبة الأمل العميقة التي تحرك بعض ردود الفعل الموريتانية، فإن ذلك لا يمنع المراقب الموضوعي من توخي الحيطة والحذر تجاه التصرف الحكومي الفرنسي الذي لم يكن ودياً تجاه نواكشوط، ولم يعتمد الحوار والتشاور معها قبل ترويج الاتهامات وإصدار الأحكام.

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"