الحرية لا تنفصل عن الإرادة

04:44 صباحا
قراءة 4 دقائق

عمر الكون 5 .12 مليار سنة حسب تقديرات علماء الفضاء، ومنذ آدم وحواء إلى عام 1801 وصل عدد البشر إلى بليون نسمة، ثم تكون ثاني بليون في عام ،1933 وفي هذا العام سيصل عددهم إلى سبعة بلايين نسمة، والمسافة التي قطعها الإنسان والتسلسل الزمني وأسبابه الظاهرة والمباشرة والمبادئ العامة التي يخضع لها التطور التاريخي في دوائر الحضارات المختلفة لدى الأمم سواء كانت روحية أو دينية أو نفسية ترتكز على إرادة الحياة . فالسير في دوائر متوالية ومستقلة من نقطة الابتداء والغاية وفق منهج التابو إنما هو تعبير عن شعور بالإحباط واليأس والقلق حيث صار ما حول الإنسان أشبه ما يكون بصحراء لا تسكنها الروح، ونظرة واحدة كبيرة إلى وعي الإنسان بذاته الحافلة بالنزعات المتزمتة في الصورة الحسية تعكس ما اعتاد عليه من رؤى متعاقبة في الميل الأناني الذي ينشأ عن تحمل العبء المعنوي والجسدي والنفسي لنفسه ومن حوله . إذ يرى الإنسان أن عليه انتظار مرحلة الموت بعد أن يرسخ في ذهنه المفهوم السطحي على ما يلاقيه من إجحاف بحقوقه وحياته، وكأن الخوف المقدس هو أقدر التعابير على أداء المعنى الواسع للتابو الأشمل للبنيان الفكري للحياة والتخلص منها بالانتحار .

فبحسب منظمة الصحة العالمية ينتحر فرد كل 40 ثانية ليصل عدد المنتحرين إلى مليون فرد سنوياً، حيث ينتحر 16 فرداً من بين كل 100،000 في العالم، ومن المتوقع أن يصبح معدل الانتحار العالمي فرد كل 20 ثانية بحلول عام ،2020 وبذلك يتصدر الانتحار الأسباب الرئيسية المؤدية إلى الموت لدى من تتراوح أعمارهم ما بين 15-44 سنة . ففي مصر وحدها كشف تقرير رسمي صادر عن مركز المعلومات بمجلس الوزراء المصري عن مئة ألف محاولة انتحار خلال عام واحد، وتمثلت الأسباب الرئيسية التي كانت تدفع إلى الانتحار في الفقر والبطالة، وبينت البحوث العلمية كذلك أن الغالبية العظمى من المنتحرين هم ممن يعانون من أمراض نفسية وعقلية حادة، بينما كانت أمراض أخرى كانفصام الشخصية أو الإدمان على المخدرات وراء انتحار عدد أقل من الأفراد . ويعد الانتحار سلوكاً ضد الحياة يدمر الحياة ذاتها بشكل مثير للأسى والحزن حيث يدمر الذات الإنسانية في قسوة وعنف بالغين بدلاً من أن يوفر لها أسباب الحياة . فالسلوك المرتبط بالانتحار يوضع على متغير أحد طرفيه الشعور بالأمل والطرف الآخر الشعور باليأس، وكلما زاد شعور الفرد باليأس كلما كان السلوك الانتحاري أكثر تهلكة، وتكون الرغبة الانتحارية قابعة في أعماق لا شعوره وتتملكه النظرة الاكتئابية العميقة وإدراكه السوداوي للحياة والوجود ونزعة الحب موتاً التي مبرراتها زائفة .

إذ تسهم التصورات والمعتقدات والغايات منها الأيديولوجية الغيبية الضمنية واللاشعورية في تنظيم الوعي العام الذي يقوم عليه الطوطم التحليلي في تسيير الأحداث نحوها، وترافق المسار في التنبؤ بالمستقبل البشري وفقاً لصورة التاريخ بوقائع أساسية تفرض نفسها في كل التطور اللاحق شعورياً في البنية النفسية للأمة التي تسير على الموقف اللاازدواجي والروح الطويل من الزمن في الرغائب اللاشعورية والاقتداء والتقليد . وذلك حسب ميل الأفراد نحو نماذج الأقوام البدائية أو القبائل المتوحشة التي تتسم بسيكولوجيا بدائية ذات سمات مشتركة، ومنها تلك التي حافظت على مجموعتها الحيوانية وهي أكثر القبائل توحشاً وتأخراً وبؤساً بسبب درجة السلوك التدميري للذات الذي يرتبط ارتباطاً عكسياً باليأس، فكلما زاد شعور الفرد باليأس كلما كان السلوك الانتحاري أكثر تهلكة لأن الافتراض الأساس لنمط المعتمد غير المشبع يتأرجح بين مطالب الاعتماد الشديد وبين نبذ الآخرين وكراهيتهم .

فالإنسان مركب من نفس وجسم ولا يستطيع العيش من دونهما لأنه يتميز بتشديده على وحدة النفس، وهي جوهر عاقل يدبر الجسم بما يتسامى ويتفوق به على الجسم، والإنسان نفس قبل كل شيء، كونها جوهر روحي، ولهذا تعكس المعرفة والأخلاق الجسم، وإثبات أنها الجوهر دليل على تميزها عن الجسم، فالنفس البشرية تشارك مشاركة أساسية في فكرة الحياة، والفكر هو القسم الأعلى من النفس العاقلة عندما تبدأ النفس البشرية بأن تنقي ذاتها من الأدران وتسعى لأن تصبح نقية طاهرة مقصدها المسار المتمثل في النعمة الإلهية لبلوغ المبدأ الأول لكل الأشياء، ثم فلسفات في التاريخ ترسم الصراع مبدأين أحدهما للخير والآخر للشر، أحدهما للسعادة والآخر للشقاء والألم مع القول إن الانتصار النهائي سيكون لمبدأ الخير والسعادة، وهناك تصور التحرر في الحصول الشاق على الشعور المتزايد بالشقاء الإنساني، ما سيقود إلى إفناء كل إرادة عن طريق الزهد أو إلى الانتحار الكلي الواعي .

وللإرادة دور أساسي حيث تتحكم وتتعلق بها قرارات النفس البشرية على المستوى العملي وعمليات القوى المعرفية، ووجود الإرادة شيء كوجود الحياة التي تسيطر على كل ما يصدر عن النفس كالأحاسيس التي تبرز ما هو من الماضي إلى سطح الوعي وتقدم للنفس سائر العناصر التي تطلبها وتحتاجها عندما تود أن تعرف هذه النفس ذاتها بالإرادة المميزة للإنسان، ويتجه نحو غايته بإرادته، عكس ما هو في الأجسام التي هي أيضاً تتجه لغاية لها محددة، وهذا ما يقوده نحو الحياة والمحبة والنعمة . والحرية لا تنفصل عن الإرادة ولا تفهم من دونها، فالإنسان حر والحرية سواء في نشوئها أو في نهايتها ومصيرها، وهي مرتبطة بالعقائد والسمو الروحي . وتحتل المعرفة الإيمانية أهمية كبرى في كل بناء إنساني، إذ إن النفس تشعر بالمدركات المادية من تغيرات جسمية وانفعالات وبالمعارف الحسية، فالإحساس فكر وعمل من أعمال النفس، حيث إنها تؤثر وتعمل وتراقب كل عضو من أعضاء الجسم، ويظهر تحليل المعرفة الحسية وجود النفس والفكر المحض والإحساس يقود الإنسان نحو النور الباطني، وينير الله العقل في معرفة الأشياء الخارجية والحقائق المتعلقة . وتعد الحكمة هي الإشعاع وانعكاساً لنشاطات النفس العليا، وتتجه نحو الخالد والأبدي وهي المشاركة والغاية . لقد سقط الإنسان لكونه أراد أن يجعل لنفسه تعويضاً إعلائياً بتضخيم الأنا، لكن هذا لم يكن ممكناً وبمعزل عن الخالق الذى منه وحده يستمد الإنسان كل موهبة وقوة وحياته .

كاتب من الإمارات

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"