أمانو في تل أبيب: هل قبِل التحدي؟

03:44 صباحا
قراءة 4 دقائق

الزيارة التي قام بها المدير العام للوكالة الذرية يوكيا أمانو إلى تل أبيب في الأيام القليلة الماضية، تستحق إلقاء الضوء عليها، فزيارة المدير الياباني هي إحدى زيارات قليلة قام بها للخارج منذ توليه منصبه في ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي خلفا لمحمد البرادعي، وكان أعلن قبل قيامه بهذه الزيارة أنه يأمل في أن تؤدي زيارته إلى حمل تل أبيب على الانضمام إلى معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، فالدولة الصهيونية هي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي لم توقع وترفض التوقيع على هذه المعاهدة، فيما وقعت عليها جميع الدول العربية إضافة إلى تركيا وإيران . وإذ جرى الترتيب لهذه الزيارة المهمة للمسؤول الدولي الرفيع منذ أشهر عدة وتضمن برنامجها اللقاء برئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو، وقد عمد هذا الأخير إلى رفض استقباله وخرج في إجازة في اليوم الذي وصل فيه أمانو إلى تل أبيب (الاثنين الماضي 23 أغسطس/ آب الجاري) . كما امتنع وزيرا الخارجية والحرب ليبرمان وباراك عن استقباله، في خطوة وصفتها صحيفة هآرتس بأنها تشكل إهانة، فيما التقاه الرئيس شيمون بيريز الذي أثنى على الزائر بعبارات فارغة معسولة، أوحت بأن التغيير على رأس الوكالة الدولية مرحب به من تل أبيب، كأن المدير السابق البرادعي كان متفرغاً لحمل تل أبيب على الانضمام إلى المعاهدة وإدانة رفضها الانضمام .

امتنع الزائر الكبير في أثناء زيارته التي اختتمها (الأربعاء) عن إطلاق تصريحات ذات أهمية، إذ صدر عنه تصريح مثل الترحيب باستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية، وذلك عقب زيارة نظمت له إلى قسم الطب النووي في أحد مستشفيات تل أبيب . وعلى الأغلب أنه لن تصدر تصريحات ذات شأن عن الرجل، إذ إن طبيعة عمله وعمل الوكالة تقوم أساساً على تقديم تقارير للدول الأعضاء (150 دولة) وإلى مجلس حكام الوكالة (35 عضواً)، ومن المقرر حسبما ذكرت مصادر الوكالة في فيينا، أن يرفع مدير الوكالة تقريره للدول الأعضاء في مطلع سبتمبر/أيلول أي الأربعاء المقبل، فيما يلتئم مجلس الحكام في 13 منه لتدارس التقرير .

ترفض تل أبيب، كما هو معلوم، الانضمام إلى معاهدة الحد من الانتشار النووي التي دخلت حيز التنفيذ منذ أربعين عاماً، ولا تكتفي بذلك، إذ تحذر من امتلاك أية دولة أخرى سلاحاً نووياً في الشرق الأوسط، كما هو موقفها من الملف النووي الإيراني وتهدد حتى بإشعال مواجهة عسكرية مع طهران . وكان مؤتمر عام للوكالة عقد في نيويورك العام الماضي، أعرب عن القلق إزاء القدرات النووية الإسرائيلية الخارجة على منظومة الرقابة الدولية، مع مطالبتها بالانضمام إلى المعاهدة وقبول التفتيش الدولي، وذلك في أول نجاح تحققه المجموعة العربية على هذا الصعيد .

هذا القرار إضافة إلى طبيعة مهمات الوكالة الدولية التي أنشئت في العام ،1957 حدت بالمدير العام يوكيا أمانو إلى التصريح بعد أسابيع من توليه منصبه الرفيع بأنه سوف يضع نصب عينيه إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، وهو هدف لا تملك دولة مثل الولايات المتحدة الاعتراض عليه، خاصة أنه ورد في أحد قرارات مجلس الأمن إبان التفتيش عن مثل هذه الأسلحة التي لا وجود لها في العراق أيام النظام السابق .

والآن لا شك في أن زيارة المسؤول الدولي إلى تل أبيب على جانب كبير من الأهمية، وهو الذي تصفه طهران بأنه متشدد . غير أن الرجل ذكر مراراً أن مهمته على رأس الوكالة تقنية أمنية، وإن كانت ذات أوجه سياسية، رافضاً غير مرة تسييس عمل الوكالة، أي الخضوع لاعتبارات سياسية في الموقف من الملف النووي لهذه الدولة أو تلك .

في تل أبيب سمع الرجل من مستقبليه، منهم وزير المخابرات داني ميريدور ونائب رئيس الوزراء موشي يعلون، كلاماً سياسياً بامتياز، وذلك بدعوته لتوجيه أنظاره إلى طهران كأنه لا يعلم شيئاً عما يدور في تلك العاصمة، أو كأنه يقوم بزيارة سياحية لا زيارة عمل إلى الدولة الصهيونية، التي تتفق سائر المصادر والمرجعيات في عالمنا، على أنها تمتلك أسلحة ومنشآت نووية منذ نحو 55 عاماً، وأن أحد مستقبليه وهو شيمون بيريز يعتبر أب المشروع النووي في كيانه .

بالإضافة إلى خبراته العلمية وفي مجال الطاقة النووية والمفاوضات بشأنها، فإن يوكيا أمانو ينتمي إلى البلد (اليابان) الذي تجرع أهوال استخدام أسلحة الدمار الشامل، وقد ولد بعد عامين (1947)على تفجير قنابل نووية في هيروشيما وناغازاكي، وقبل أن يبرأ شعبه من الآثار المدمرة للقنابل الأمريكية . والمسألة بطبيعة الحال لا تتعلق بالعواطف فقط، بل بالهدف الثمين وهو الإزالة المبرمجة للأسلحة النووية من عالمنا . ومن حسن الطالع والتدبير أن مجلس حكام الوكالة يضم إلى الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن التي تشكل النادي الدولي النووي، ثلاثين دولة أخرى بينها دول عربية . وفيما تسعى الولايات المتحدة وكندا ودول أوروبية إلى الحفاظ على الملف النووي الإسرائيلي مغلقاً، فإنه يسترعي النظر أن الذرائع التي تساق لتمرير هذا الموقف هي الزعم بوجود اعتبارات سياسية وراء إثارة هذا الملف، وذلك في تزوير صفيق للوقائع، إذ إن إبقاء هذا الملف بالذات دون سواه خارج التداول، تحدوه دوافع سياسية، وهو ما يشكل تحدياً مهنياً للمدير الياباني، ومن الواضح أنه يقبل حتى الآن هذا التحدي، بدليل أنه شدّ الرحال إلى تل أبيب، حيث هناك مفاعلات تنتج أقمشة، كما تحدّث ساخراً ذات مرة المحتال الآثم شيمون بيريز .

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"