لم تتردد العديد من الأوساط الإعلامية والدبلوماسية في وصف ما جرى يوم الحادي والعشرين من ابريل/نيسان المنصرم في مجلس الأمن الدولي ب الهزة والصدمة والتطور المفاجئ.
وكان مجلس الأمن الدولي قد وافق على اقتراح للأمين العام للأمم المتحدة بالاستماع إلى المبعوث الشخصي لهذا الأخير المكلف بملف نزاع الصحراء الغربية. ولكن الاستماع إلى بيثر فان فالسوم لم يكن هو مصدر اندهاش وذهول تلك الأوساط بل كانت مصدر ذلك الخلاصات التي توصل إليها خلال اشرافه المباشر على جهود تسوية النزاع المذكور.
وإذا كان البعض قد اندهش من الخلاصات التي عبر عنها فالسوم أمام مجلس الأمن في الاجتماع المغلق الذي عقده هذا الأخير، وذلك انطلاقاً من كون هذا المسؤول الأممي تجاوز حدود التحفظ والحياد التي يفرضها عليه دوره كوسيط في نزاع الصحراء الغربية.. فإن البعض الآخر صدمه مضمون تلك الخلاصات التي تعتبر أن استقلال الإقليم ليس خياراً واقعياً، ودعا جبهة البوليساريو المطالبة بهذا الاستقلال إلى البحث عما دون ذلك من الحلول استناداً إلى الواقعية السياسية من جهة وإلى الشرعية الدولية من جهة ثانية.
وكان بيثر فان فالسوم قد ذكر أعضاء المجلس الأمني الأممي بأن الموقفين الأصليين لكل من المغرب وجبهة البوليساريو لا يلتقيان أبداً، بل يتصادمان ويلغي أحدهما الآخر. وما يعتبره أحد الطرفين ضرورة مطلقة يعتبره الطرف الآخر غير مقبول. ولذلك، فإن كافة المساعي التي تطلعت إلى تسوية النزاع بين الموقفين الأصليين : اندماج الصحراء في المغرب أو استقلالها عنه كانت كلما تجاوزت مأزقاً واجهت مأزقاً جديداً. ويشتد انغلاق أبواب التسوية باعتبار الإطار القانوني الذي يتحرك فيه مجلس الأمن، وهو إطار لا يسمح لهذا الأخير بفرض الحلول على الطرفين أو على أحدهما، ويحدد دوره في مساعدة الطرفين المتنازعين على التوصل إلى حل يقبلانه معا.
وفي عرضه أمام مجلس الأمن عاد فالسوم إلى تقديم الدروس وتحديد المفاهيم مثلما فعل سنة 2005 في شأن تقرير المصير الذي لا يتخذ شكلاً واحداً ووحيداً هو الإستقلال، بل يتخذ شكل الاندماج في الوطن الأب، ويتخذ، كذلك، أشكالاً متنوعة من الحكم الذاتي.
وأوضح المسؤول الأممي هذه المرة أهمية الواقعية السياسية في صياغة واقتراح الحلول الملائمة لكل نزاع، واعتبر أن موقف جبهة البوليساريو الذي يبدو من الناحية الشكلية أكثر قانونية، ليس قادراً، في صورته القصوى، على إنجاز أي تغيير ايجابي في وضعية لاجيء المخيمات التي تديرها الجبهة المذكورة فوق التراب الجزائري.
وعندما يحث فالسوم على اعتماد الواقعية السياسية ويرفض اعتبار هذا الاعتماد تنازلاً أو استسلاماً، ويدافع عنه بقوة لأنه يسمح بإنقاذ اللاجئين الصحراويين، فإنه يتمسك باعتماد الشرعية الدولية التي من شأنها حماية الحلول الوسطى التي يمكن التوصل إليها، ومن شأنها تأمين مستقبل المنطقة وتكريس السلم والاستقرار فيها.
ووجه المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة المكلف بملف نزاع الصحراء الغربية انتقادات لاذعة من جهة للمتمسكين بمطلب استقلال الصحراء الغربية باعتباره مطلباً غير واقعي وغير قابل للتنفيذ وباعتباره تكريساً للأمر الواقع، ومن جهة ثانية لمعظم القوى الدولية المسلمة بهذا الأمر الواقع والمرتاحة إليه لأنه يسمح لها بعدم إغضاب أي من الجزائر والمغرب.
واستند فالسوم في انتقاداته إلى النتيجة الأساسية لاستمرار الأمر الواقع المتمثلة في المعاناة القاسية والمستمرة منذ اثنتين وثلاثين سنة لعشرات الآلاف من الصحراويين الذين يعانون من القر والحر والفاقة في مخيمات ولاية تندوف الجزائرية. وفي الوقت الذي لام فيه المسؤول الأممي الأطراف الدولية التي تتفرج على معاناة الصحراويين، وتتهرب من اتخاذ موقف واضح من أطراف النزاع الحقيقية... فإنه شدد اللوم على من يسميهم، الأنصار غير المشروطين لجبهة البوليساريو الذين يقيمون بعيداً عن المخيمات ويفضلون استمرار معاناة اللاجئين على أي حل متفاوض عليه يكون دون الاستقلال التام.
ولكن ما اعتبرته العديد من الأوساط الاعلامية والدبلوماسية مفاجئاً أو صادماً في ما عبر عنه فالسوم أمام مجلس الأمن الدولي في الحادي والعشرين من الشهر المنصرم، استقبله ممثلو الدول الغربية دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي باهتمام وتقدير، ورأوا فيه شجاعة سياسية كبيرة، وتشريفاً لافتاً للمسؤولية التي تحملها، ودعوا إلى أخذ الخلاصات التي جاء بها بعين الاعتبار أثناء البحث عن حل نهائي لنزاع الصحراء الغربية.
وعلاوة على مواقف القوى الدولية الكبرى المشار إليها، فإن المتتبع لجهود الأمم المتحدة في سبيل ايجاد حل سلمي للنزاع المذكور، سيجد أن ما استخلصه المبعوث الشخصي لبان كي مون يمثل استمراراً لما راكمته الأمانة العامة للأمم المتحدة في هذا الشأن منذ نهاية العقد الماضي. ويجدر التذكير في هذا المجال بأن الأمين العام السابق كوفي انان ومبعوثه الشخصي المكلف بملف نزاع الصحراء الغربية توصلا منذ سنة 2000 إلى قناعة راسخة أولى مفادها استحالة تنظيم استفتاء لتقرير المصير في الصحراء الغربية. وذلك بعد فشل جهود تسع سنوات في تسوية مشكلة واحدة هي مشكلة تحديد الهيئة الناخبة التي من حقها المشاركة في ذلك الاستفتاء. وقد تناقضت مواقف المغرب وجبهة البوليساريو في هذا الموضوع بشكل جذري، وتاهت خلفها الأمم المتحدة قبل أن تقر باستحالة تنظيم الاستفتاء كما يتصوره الطرفان.
وبعد هذه الخلاصة الأممية التي تقر بغياب آلية الحسم في الخيارات القصوى مثل الاندماج أو الاستقلال يومئذ- دعا المبعوث الشخصي للأمين العام الأممي جيمس بيكر إلى استبعاد المواقف القصوى للطرفين، وإلى اعتماد الحل الوسط الذي يرضي الطرفين معاً، ويكرس وضعية لا غالب ولا مغلوب.
وإذا كان بيكر قد تجاوز ما دعا إليه حين ضمن خطة التسوية التي اقترحها سنة 2003 خيار استقلال الاقليم، فإن الأمور، بعد ذلك عادت إلى مجراها المتمثل في الحل الوسط. وعندما يدعو فالسوم اليوم إلى استبعاد خيار الاستقلال، واعتماد حل وسط، فإنه لا يغير المسار الذي سلكته التسوية بتعثر كبير.
وإذا كانت استخلاصات فالسوم غير ملزمة لجبهة البوليساريو وأنصارها غير المشروطين مثلما كانت خطة بيكر غير ملزمة للمغرب، وإذا كانت هذه الخلاصات لن تمنع الجبهة المذكورة من مواصلة الحفاظ على الأمر الواقع، فإنها، رغم ذلك، ستقوي حظوظ التسوية السلمية القائمة على الحل الوسط، وستدعمها بحجج واقعية قوية، وستعزز القوى الداعية إليها.
ويبدو أن مجلس الأمن الدولي قد أكد يوم الأربعاء الأخير هذا الاتجاه عندما دعا إلى الواقعية والتوافق، ومدد للبعثة الأممية في الصحراء الغربية سنة كاملة على عكس ما كان يجري من قبل حين كان التمديد لا يتجاوز بضعة أشهر.
* كاتب مغربي