حفلت منابر عديدة منذ شهور بمقالات تشكك بمضمون التغييرات العربية ومسارها . هذه الكتابات أقل عدداً وتأثيراً من المقالات التي رأت في ما حدث ربيعاً سياسياً تصنعه الشعوب بسواعد وعقول شبانها، لكنها تسهم في تشويه الصورة وتجعل النهوض محفوفاً بشكوك دائمة . لا يعتزم هذا المقال الرد على مقال معين لكاتب ما، بل يستعرض بعض الأفكار والذرائع التي يتم سوقها للتشكيك بالتغييرات والطعن في مراميها .
في مقدمة هذه الأفكار أن موجة التغييرات تتساوق مع دعوات الرئيس الأمريكي السابق بوش ل شرق أوسط جديد، وتأتي كتطبيق لتلك الدعوات، وأن الأمر انطلى على كثيرين فهللوا للتغييرات لمجرد أن شعوباً قامت بها وليس الحكام .
لا تملك هذه الفكرة سوى ابتداع وجه شبه شكلي، بين مشروع طرح وتغيير تحقق . فالمشروع الأمريكي السابق قام على سيناريوهات غامضة، هدفها طمس أولوية إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لمصلحة بناء الديمقراطية في العالم العربي . لكنه لم يتخير أية أدوات لنقل تلك الأفكار إلى حيز التنفيذ، ولم يكن طرح التغيير السياسي وارداً . وقد جاءت الحملة الأمريكية لمكافحة الإرهاب لتغطي على أية أجندة أمريكية أخرى، ما يجعل وجه الشبه واهياً بين ذلك المشروع الذي لم يتمسك به أصحابه، وبين التغيير الذاتي الذي وقع . إن عقلية المؤامرة تتخذ طابعاً بائساً هنا، إذ يتم التسليم بأن هناك مؤامرة جاهزة على مدار الساعة، ثم يجري لصق وقائع لاحقة، على نحو بالغ الخفة والتعسف على صورة المؤامرة .
لم يكلف أصحاب هذه الفكرة أنفسهم بالتأشير إلى وجود متآمرين، كي تتضح صورة المؤامرة المزعومة باستثناء إيراد اسم وائل غنيم الذي لا يعدو أن يكون ناشطاً مقابل العدد الأكبر من الشبان وتجمعاتهم السياسية . ولم يشرح أحد كيف تثور اتهامات حول هذا الشاب، بغير ما سند ولا قرينة، سوى التذرع بإقامته لبعض الوقت في الولايات المتحدة، واستخدامه الفيسبوك . وهو ما يجعل ملايين العرب والمسلمين حُكماً تحت وطأة الشبهات، لأنهم يقيمون في أمريكا ويستخدمون شبكة التواصل الاجتماعي .
والراجح أن هذه التهمة التي تربط بين ثورات شعبية وبين مخطط أمريكي، تقوم على الشعور بالمفاجأة الكاملة بما حدث، إلى درجة العجز عن قراءة الحدث كما هو، فلا يبقى سوى استسهال نسبته إلى مخططات معادية، بديلاً لتدبر أوجه هذا التحول واستنباط معانيه من داخله لا من خارجه .
ثمة فكرة شائعة تتصل بهذه التهمة، ومفادها أن حركة التغيير أنيطت بالفيسبوك، وبما أن إغلبية الشعب لا تستخدم هذه الوسيلة، إذاً، وحسب أصحاب هذه الفكرة، فإن التحول الذي تحقق ينطوي على شبهات، ويثير علامات استفهام كبيرة . في واقع الأمر، إن أسباباً سياسية واقتصادية واجتماعية ضاغطة، هي التي أجّجت روح التمرد لدى مجموعات الشبان، وليس الإنترنت الذي تم استخدامه وسيلةً للتواصل ومن بين وسائل أخرى منها الهواتف المحمولة، ولا يدري المرء كيف نجت الهواتف المنقولة من التهمة، وتم إلصاقها حصرياً بالإنترنت؟ الذي حدث أن كادحين وعمالاً ومتعطلين عن العمل ثاروا في أطراف تونس، واستجاب لهم شبان في العاصمة، الأمر ذاته تكرر في مصر حيث جرى اجتذاب فئات الشعب شيئاً فشيئاً إلى المشاركة وقد تمت الاستجابة . ومما يثير السخرية الحديث عن الشبكة العنكبوتية وكأنها هي بذاتها من قام بالتحول، مع تصويرها على أنها شبكة شيطانية إلكترونية أمريكية .
من الأفكار الأخرى الشائعة التي ترمي إلى التشكيك (تشكيك الشعوب بذاتها الجمعية وبحيوية طليعتها)، فكرة التدخل الأجنبي، ويتم سوق المثال الليبي كمصداق على هذه الفكرة، وعلى أن الربيع العربي هو مجرد مدخل لاستدراج تدخل أجنبي . هكذا بدل أن يتحدث أصحاب الفكرة عن حملة الإبادة التي شنها القذافي ضد شعبه، ويناصروا الشعب الضحية، فإنهم لا يجدون ما يتحدثون به سوى التدخل الذي تسبب به النظام ودفع الأمور نحوه . هناك كلام مشابه عن الحالة السورية، فأعمال الإبادة ليست مصداقاً على وطنية أو ممانعة أو سوية بشرية، بل هي برهان على البربرية . المطلوب وقف هذا السلوك المتوحش لتفادي أي تدخل، ولأنه ليس من حق أي أحد أو أية جهة ابتداءً، ممارسة القتل والتنكيل في الشارع، وعلى رؤوس الأشهاد ضد مدنيين عزل .
دولة القانون التي يبشّر بها الربيع العربي هي النقيض لشريعة الغاب السائدة في بعض الدول . التدخل الأجنبي حدث لغياب آلية عربية للتدخل الإنساني، فقد اجتهدت أنظمة عديدة لتفريغ الجامعة العربية، ومنع تدخلها في شؤون الدول . النتيجة، ومع هذا الفراغ، تتقدم دول وأطراف أخرى لملء هذا الفراغ وبما يخدم مصالحها في النهاية . حتى الاتحاد الإفريقي لديه قوة تدخل . من المؤسف أن حق الشعوب في الحرية والكرامة، يصبح نكرة في نظر البعض ولا يستحق التوقف عنده، ومن المفارقات أن من يلهج بذلك وطنيون قوميون تقدميون، وهذا هو المآل البائس الذي انتهت إليه راديكاليات عربية شعبية ورسمية تناصب شعوبها العداء، ولا تمانع، وهي الممانعة، التضحية بالشعب إكراماً لشعارات خشبية منقطعة كلياً عن الواقع، وكما يفعل وثنيون أمام أوثانهم .