حظيت التعديلات الدستورية في تركيا بتأييد نحو 58 في المئة من المستفتين، وهي نتيجة متوقعة وتستند إلى التأييد الشعبي الذي يحظى به حزب العدالة والتنمية، رغم انخفاض نسبة التأييد عما كانت عليه في السنوات الأخيرة . وبهذا فإن الاستفتاء على الدستور يمثل في الوقت نفسه استفتاء على شعبية الحزب في أية انتخابات مقبلة . على أن هذا الحدث يثير مزيداً من الملاحظات .
الملاحظة الأولى أن صوت المعترضين كان هذه المرة أوضح وأعلى من ذي قبل، كما أن نسبتهم هي أعلى بدورها، وذلك ليس بأمر مستغرب، في بلاد تأخذ بنهج ديمقراطي أوصل حزباً ذا جذور إسلامية إلى الحكم في نظام علماني . وتفسير ذلك أن العلمانيين المتشددين وغير المتشددين قد نسقوا جهودهم وعبأوا صفوفهم كما يبدو هذه المرة مع القوميين وحزب العسكر لمعارضة حكم حزب العدالة . هذا مع الأخذ في الحسبان أن هناك معارضة اسلامية وإن كانت ضعيفة الحال ممثلة بنجم الدين أربكان وزعامات حزبه الفضيلة . يضاف إلى هؤلاء ممثلو الأكراد في التجمع الديمقراطي (22مقعداً في البرلمان)، الذي يوصف بأنه الذراع السياسية لحزب العمال الكردستاني . وقد امتنع هذا التجمع ومعه جمهوره عن المشاركة في التصويت على التعديلات الدستورية، وكان يمكن لمشاركته أن تجعل مرور التعديلات صعباً، نظراً للتباعد السياسي الذي ما زال قائماً بين الأكراد في تركيا والحزب الحاكم منذ ثماني سنوات .
معنى ذلك ببساطة أن حزب العدالة ليس وحده في الساحة، كما يطيب لبعضنا في العالم العربي أن يعتقد . ولعل الميل لدينا إلى رؤية الأمر على هذا النحو مرده قبول واقع الأحادية، ووضع الآمال كل الآمال في أيدي مُخلّص واحد .
الملاحظة الثانية: أن أحد أهم إنجازات حزب العدالة هو تحييد المؤسسة العسكرية في بلاده عن الشأن السياسي . باتت هذه المؤسسة مجرد طرف في مجلس الأمن القومي، بعد أن كانت تهيمن عليه من قبل، بل إن المجلس ذاته بات يتمتع بصفة مدنية، وقد ولّى كما هو واضح عصر الانقلابات . غير أن ذلك لا يعني أن الحكم سوف يستقر بين يدي حزب العدالة إلى الأبد، فالبديل عن شبح الانقلابات هناك هو التعددية وتداول السلطة عبر صناديق الاقتراع، لا حكم الحزب الواحد .
الملاحظة الثالثة: أن الفوز الكاسح والمريح الذي حازه الحزب في مناسبات سابقة، لم يعد متاحاً الآن، وأن الأمور باتت نسبية كما هو الحال في سائر جوانب الحياة السياسية . مغزى ذلك أن الحزب الذي شاءت له الظروف أن يحكم وبصورة شرعية منفرداً، سوف يكون مدعواً في أجل قريب إلى الائتلاف مع قوى أخرى منافسة وغريمة له . والأمر لن يقتصر بطبيعة الحال على تقاسم مقاعد وزارية، بل يتطلب قبل ذلك توافقاً على مضمون السياستين الداخلية والخارجية واتجاهاتهما، بين أطراف متباعدة أيديولوجياً وسياسياً، وبالذات مع الورثة السياسيين لمن حكموا البلاد طيلة العقود السبعة الماضية . ولذلك على العرب توقع أن تطرأ في وقت غير بعيد تعديلات على السياسة الخارجية التركية التي ترضيهم في الوقت الحالي، وهي سياسة قامت على مبادرات شجاعة ونزيهة لحزب العدالة .
الملاحظة الرابعة: أنه استناداً إلى ما تقدم، فإنه ليس من مصلحة العرب والعالم الإسلامي شيوع انطباع بأن حزب العدالة هو الطرف السياسي الوحيد في بلاده، الذي يؤيد قضايا العرب العادلة، حتى مع تمتع هذا الحزب بشعبية واسعة . الأفضل من ذلك والممكن هو تبلور وضع يفيد أن حزب العدالة هو الأشد تأييداً للقضايا العربية، من دون أن تكون الأطراف الأخرى القومية والعلمانية وكذلك غير المسيّسة أو المستقلة، على عداء مع تلك القضايا أو تتخذ منها موقفاً سلبياً . هذا يقتضي انفتاحاً عربياً على بقية القوى وتواصلاً معها، بعيداً بالطبع عن أي انغماس في الشؤون التركية الداخلية، وهو ما يفعله الكيان الصهيوني في غير بلد في العالم، إذ تشمل اتصالاته سائر القوى من ممثلي الطيف السياسي في الحكم والمعارضة على السواء . ولنا أن نلاحظ كيف بذل الصهاينة كل ما تملك يمينهم،لإبقاء العلاقات على مستوى استراتيجي مع أنقرة في السنوات الأولى لحكم حزب العدالة، وكيف نشأ التحالف الأمريكي الإسرائيلي على قاعدة النفوذ الصهيوني داخل الحزبين المتنافسين معاً .
ومع الأخذ في الحسبان أن هناك زعامات جديدة وأخرى قيد التبلور في صفوف بقية الأحزاب التركية، فإنه من المهم الانشغال بمدّ الجسور العربية معها جنباً إلى جنب مع تمتين العلاقات مع الدولة ومع حزب العدالة، وهو ما يستحق ان يكون هدفاً قائماً بذاته من أجل الوصول إلى سائر قطاعات الرأي العام، وذلك بدلاً من أن تتخذ القضايا العربية طابعاً أيديولوجياً بعينه يحمل فئة دون أخرى من الأتراك على الانتصار لقضايانا، وفقاً لموقفهم من تلك الأيديولوجية .
لقد تأخر العرب كثيراً في التواصل مع حزب العدالة الصاعد قبل وصوله إلى الحكم وحتى بعد وصوله، ويفترض التعلم من الأخطاء وأوجه القصور، فالمجتمع السياسي التركي هو في نهاية المطاف تعددي سياسياً وثقافياً، وليس من المصلحة اقتصار الانتباه على طرف بعينه هو الأقرب الينا . الأصح أن نجعل البعيدين والمتباعدين أقرب إلينا أيضاً .