دولة شريرة في نظر العالم

04:46 صباحا
قراءة 4 دقائق

هل يذهب المرء بعيداً بالخلوص أن الصراع العربي الإسرائيلي وما يحف به، يمثل عنصر اختلال في موازين السياسية، الدولية، ومصدر تهديد للسلم العالمي؟

لينظر المرء نظرة سريعة الى أحداث الاسابيع القليلة الماضية: دولة في الشرق الاوسط تغتال شخصاً في دولة شرق أوسطية أخرى وتقوم بتزوير جوازات تابعة لعدة دول غربية . في ظروف عادية يتم قطع العلاقات أو سحب السفراء مع هذه الدولة المعتدية، لكن مسؤوليها يبدون زهواً مفرطاً لما يتوفرون عليه من مهارات في ارتكاب جرائم عابرة للحدود .

الولايات المتحدة ومعها دول الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا وبقية دول العالم تدين الاستيطان في الأراضي العربية المحتلة، مع ذلك يقف العالم عاجزاً عن فعل شيء لوقف ما هو موضع إدانة .

معهد زغبي الأمريكي للاستطلاعات يفيد في استطلاع أجراه مؤخراً أن 81 في المائة من الأمريكيين يرون أن الصراع العربي الإسرائيلي يضر بالولايات المتحدة، وأن الدولة العظمى مهددة بفقد هيبتها نتيجة عجزها عن التعامل وفق سياسة معتدلة مع هذا الصراع . لا تمثل هذه النتائج انقلاباً لدى الرأي العام الأمريكي، فما زال هناك 65 في المائة من الأمريكيين يناصرون الكيان، غير أنه من الواضح أن الفجور الإسرائيلي بات مصدر حرج متزايد لأصدقاء تل أبيب، ففي المملكة المتحدة الراعية التاريخية لنشأة الكيان الصهيوني، تصدر مذكرات توقيف بحق مسؤولين اسرائيليين ويتم طرد دبلوماسي اسرائيلي عُلِم أنه عضو في الموساد . مواقف تنم عن الضيق البالغ، لكن هذا التبرم الشديد لا يذهب إلى مداه الطبيعي . لا عقوبات، لا طرد أو استدعاء سفير من تل أبيب، لا ضغوطات اقتصادية كما هو الحال في الأزمات التي تقع بين الدول .

ثمة جرثومة تتسلل إلى الجسم السياسي والإعلامي الغربي تحول دون وقوع تفاعلات طبيعية . أوباما يحقق نصراً داخلياً باعتماد التأمين الصحي ل 95 في المائة من الأمريكيين ويهزم أصحاب المصالح ومع ذلك يعجز حتى عن تظهير خلافه مع نتنياهو، والأخير يحاربه بسلاح الكذب من قبيل القول إن البناء في القدس مثل البناء في تل أبيب، وقد ارتفع صوت للحزب الشيوعي الإسرائيلي شبه الهامشي الأسبوع الماضي قائلاً، إن البناء في القدس هو مثل البناء في رام الله وبيت لحم وكل أرض محتلة .

يستند العرب في خطاباتهم وتحركاتهم الى المجتمع الدولي . حسناً ولكن هذا المجتمع لن يكون عربياً، ولا يؤرقه أن ينتزع الحقوق ويعيدها الى أصحابها . الارتخاء يعقد الأزمة ويقوم بترحيلها من جيل الى جيل . على العرب إذا كانوا معنيين بدوام وحسن علاقاتهم مع المجتمع الدولي، أن يبقوا الأزمة عند مستوى ساخن على نحو يدفع الآخرين دفعاً للتدخل، حتى لا يبدو المجتمع الدولي وكأنه يحمل راية العرب، فيما العرب يرددون أناشيد محفوظة عن مبادئ العدالة والشرعية، وبما يتيح لدهاقنة تل أبيب القول إن هذه الدولة أو تلك منحازة للعرب .

أبعد من ذلك، فإن التسخين يسهم في حل أزمة التردد والمراوحة الممتزجة بالضيق لدى المجتمع الدولي، بما يتعلق بالصلافة الاسرائيلية التي لا تقف عند حد، والتي بلغت في أطوارها الأخيرة محاولة توريط دول عديدة في ارتكاب جريمة ارهابية مع العبث بجوازات السفر، وهي الوثيقة الدولية التي تحفظ أمن الأفراد وكرامتهم كما كرامة الدول وأمنها، وحتى اختراق المجال الجوي لدولة أوروبية ومن دون سابق إنذار هي هنغاريا، والكذب بشأن هذا الاختراق وتصويره على أنه متفق عليه . ثم الامتناع عن استقبال أرفع مسؤول دولي هو الأمين العام للأمم المتحدة،في رسالة واضحة يفهم منها أن احترام الشرعية وأحكام القانون الدولي، التي يمثلها بان كي مون هي آخر ما يشغل الحاكمين في تل أبيب .

وخلافاً للتدخلات ومحاولات الاختراق، التي كانت تتم في زمن الحرب الباردة للتسلل الى هذه الدولة أو تلك من الدول المؤتلفة مع المعسكر الآخر، فإن إسرائيل لا تتورع عن توريط واستباحة دول صديقة لها، وهذه من بعض مآثر الدولة المارقة ذات النشأة غير الطبيعية . والحال أن التهاون العربي يبث رسائل بأن الوقوف في وجه الشذوذ السياسي الاسرائيلي متعذر، فإذا كان الضحايا والمتضررون بصورة مباشرة ودائمة من الأذى الاسرائيلي يجنحون للسلامة بأي ثمن، ويتوسلون للدولة المارقة أن تحد من منسوب أذاها، فكيف ستكون تبعاً لذلك مواقف بقية الدول البعيدة عن التأثر المباشر بمجريات الصراع؟

قد يراهن البعض على استفزازات تل ابيب لأصدقائها وحلفائها، بحيث تتطور ردود فعل هؤلاء الى مناوأة واجراءات عقابية .غير ان التباعد العربي عن التأثير في مجرى هذه التطورات لا يفيد، وسيجعل التفاعلات بين تل أبيب ودول العالم، محكومة بأولويات الآخرين وحساباتهم ومصالحهم . ولا يكفي أن تقول القمة العربية كلاماً صائباً، فالمهم هو السياسات الفعلية التي تتخذ ويتم العمل بمقتضاها، وما إذا كانت هذه السياسات محكومة بمصلحة الأمن الجماعي العربي ام بمصالح ثنائية فحسب، وما إذا كان سيتم استثمار صورة الدولة الشريرة التي تحيط بدولة الاحتلال أم سيتم ايكال استعادة الحقوق العربية للمجتمع الدولي . تلك هي بعض الأسئلة التي ينطق بها الحال السياسي الراهن .

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"