لم تكن 2010 سنة جيدة على العرب . لا شأن لذلك بحركة الأفلاك، وحتى لو نظر المرء للأمور من زاوية تأثيرات الطبيعة، فلم تتعرض منطقتنا في السنة التي توشك على الانصراف لظواهر طبيعية قاسية كالفيضانات والزلازل وحالات الجفاف، وبهذا لا يمكن رد التقهقر لعوامل خارج الإرادة البشرية .
لا يتعلق الحال هنا بدوام الشكوى أو النزوع لما يسمى جلد الذات، بقدر ما يتصل بضرورة تشخيص الحال كما هو عليه، وتلك هي الخطوة الأولى نحو الإصلاح، فلا علاج إن لم يسبقه تشخيص أمين ودقيق . وأول ما ينبئ عنه التشخيص العام للحالة العربية، هو تراجع المفاهيم القومية للعمل العربي، وبقاء هذه المفاهيم عند حدود دنيا شكلية . وقد انعكس هذا التراجع على المؤسسة القومية: الجامعة العربية التي بهت حضورها وشحُب صوت أمينها العام الذي تردد أنه سوف ينهي ولايته الثانية، في الدورة المقبلة للقمة العربية في مارس/ آذار المقبل .
لقد عقدت قمة مصغرة ثانية في ليبيا صيف هذا العام، بعد أقل من أربعة أشهر على القمة العادية، ويحتاج المرء إلى عيني نسر، كي يلحظ أثراً باقياً ونتيجة سارية على أرض الواقع لتلك القمتين . فالقمم باتت تعقد من أجل الانعقاد فحسب، وليس هناك من طرف عربي يصوغ سياساته وفق قرارات القمم . لا يتم حتى التطرق إلى تلك المرجعية، ولو من قبيل الديباجة الإعلامية، بينما المنظمات الإقليمية والدولية الأخرى تلتزم بما تقرره، وتعتبر الدول الأعضاء تلك القرارات ضابطاً لتحركاتها، كما هو الحال في الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي ومنظمة آسيان الآسيوية .
في بحر العام الذي يوشك على الانقضاء، انشغل ساسة ومعلقون وباحثون، في تناول أثر حضور الجارين الإقليميين إيران وتركيا على منطقتنا . هذا الانشغال مردّه الشعور بفداحة الفراغ السياسي، الذي تملؤه أطراف غير عربية . لم يتم إدارة حوار جماعي على أي مستوى مع هذين البلدين الكبيرين، فكل بلد عربي يصوغ سياسته وفق أولوياته ومصالحه المباشرة مع أنقرة وطهران، وعليه لم يتم إدخال هذين الطرفين إلى ميدان التأثير، وفق إيقاع متفق عليه بين المجموعة العربية وكل من أنقرة وطهران، فالأمر متروك لمبادراتهما ولمستوى علاقة كل عاصمة عربية بهما .
كذلك الأمر مع القوى الصاعدة مثل الصين وروسيا . فالعلاقات تتم معهما بالتجزئة أولاً، ثم وفق مصالح ذات بعد اقتصادي، وذلك بالتزود بالسلع وإقامة المشروعات والحصول على أسلحة دفاعية ما أمكن ذلك . التقاء المصالح الاستراتيجية هو ما يحمل البلدين الكبيرين على اتخاذ مواقف أقرب إلى احترام الحقوق العربية، وقلما يتم ذلك كثمرة لجهود عربية في هذا المجال .
مع القوة الدولية العظمى وهي الولايات المتحدة، فإن السياسة العربية تقيم على انتظار تحرك من واشنطن والقيام بمراجعة ما، والأمل في أن تقل وتيرة الالتصاق بين واشنطن وتل أبيب . يفاجأ المراقب العربي وكذلك صانعو القرارات بمواقف يتخذها الكونغرس تمس الحقوق العربية، مثل القرار الأخير للكونغرس الأمريكي برفض الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة في حدود عام 1967 من جانب واحد إن لم توافق عليها الدولة العبرية، علماً بأن أي تحرك عربي استباقي لم يتم على هذا الصعيد، ولم يتم حتى أي توافق عربي ولا مبادرات عربية باتجاه الاعتراف بهذه الدولة، كوسيلة لمواجهة عقم المفاوضات والتغول الاستيطاني والعجز الأمريكي عن ممارسة نفوذ فعلي على تل أبيب .
ما يستحق ملاحظته أن تراجع العمل الجماعي العربي يلحق ضرراً جسيماً بالمفاهيم القومية وبما كان يسمى العمل العربي المشترك، ويعود كذلك بالضرر على الأطراف العربية منفردة، كما هو الحال في استعصاء المفاوضات على المسارين الفلسطيني والسوري، وانتقال الأزمة اللبنانية الداخلية إلى ذرى غير مسبوقة من التوتر، واستفحال الأزمة في اليمن وفي السودان، وسوى ذلك من قضايا تتعلق بالأمن القومي والأمن الوطني لكل بلد .
وحتى على مستويات أقل من ذلك، فإن الانصراف للشؤون الذاتية وإدارة الظهر لاعتبارات العمل الجماعي لم ينعكسا ازدهاراً داخلياً . تكفي نظرة عجلى على شجون الانتخابات وما يحف بها في غير بلد، والتراجع المطرد في أوضاع الحريات العامة والفردية، واضطراب العلاقة مع المجتمع السياسي الداخلي هذا إذا كانت هناك من علاقة تذكر . يكفي النظر إلى ذلك ومعه الأوضاع الاقتصادية المضطربة وما يتصل بها من حالات فساد، للتدليل على عقم خيار الانكفاء الذي يورث تضخماً في المديونيات وفي بؤر الفقر والبطالة، ويقدم نماذج مشوهة أو منقوصة في أجود الأحوال لعمليات التنمية غير الشاملة وغير المستدامة هنا وهناك .
وللأسف فإنه ليس هناك ما يشي بتحسن الأحوال العامة، رغم تحقيق بعض النتائج الايجابية في هذا البلد أو ذاك، فالأمر منوط في النهاية بخروج المجتمعات العربية من سلبيتها والتوقف عن العزوف عن الانشغال بالشؤون العامة، وهو ما يتطلب مبادرات من نخب جديدة تسعى لتماسك مجتمعاتها وتطويرها وتنبذ الانشطارات الفئوية، وهي أمراض تتحمل المجتمعات لا السلطات فقط المسؤولية عن تفشيها في انقسامات عمودية وأفقية لم تشهد منطقتنا مثيلاً لها منذ الاستقلالات، وحتى في عهود الانتداب والاستعمار الأجنبي .