إذا كانت الجامعة العربية بوضعها الحالي غير مرحب بها من النظام العربي إلا بكونها إطاراً في أغلب الحالات، فهل يعقل أن يتم القبول بتطوير هذه المؤسسة إلى اتحاد أو ما يشابهه كما في المقترح اليمني للقمة الخماسية التي عقدت في طرابلس الأسبو ع الماضي؟
في واقع الأمر إن نسبة كبيرة من الدول العربية تشاطر الرأي العام عدم القبول بوضع الجامعة، ولكن لأسباب هي على النقيض مما يعتقده الرأي العام الذي كان ومازال يتطلع إلى أن تكون هذه المؤسسة إطاراً فاعلاً يتم من خلاله رسم الاستراتيجيات المتعلقة بالأمن الجماعي، وتنظيم العلاقات مع دول العالم وبالذات الدول الكبرى ودول الجوار الإقليمي . فيما تنبئ سياسات العديد من الدول الأعضاء عن رفضها أن تضع الجامعة أية قيود أو ضوابط على حركتها وخياراتها . وليس تعبير القرارات السيادية الشائع تداوله في غير عاصمة عربية إلا تعبيراً عن الضيق بأي قيد أو ضابط معنوي .
والآن، فإن الاقتراح بتحويل الجامعة إلى اتحاد على غرار الاتحاد الإفريقي، يمثل محاولة استثنائية طموحة وعلى قدر من الرومانسية، لتحويل هذه المؤسسة إلى منظمة إقليمية قومية ذات شأن ووزن . غير أن هذا المقترح سوف يصادف صعوبات جمة أساسها رفض تطوير هذه المؤسسة، وتفادي قيامها بأي دور فعلي باستثناء الوساطات التي لا تلزم أحداً بالأخذ بما تحمله .
وواقع الحال أنه مادامت هناك دول ترى أنها كبيرة، وترى دولاً شقيقة أخرى أنها صغيرة حتى لو كانت هذه الأخيرة من الدول المؤسسة للجامعة، فإنه يصعب تخيل تطوير الجامعة، علماً أن هناك دولاً كبيرة فعلاً بحجمها السكاني والجغرافي، غير أن ذلك لا ينتقص من حقوق الدول الأعضاء الأخرى . لقد كان من الممكن إرضاء النزعات المتعلقة بالحجوم والنظرة إلى الذات الوطنية، عبر تشكيل مجلس أمن عربي على غرار مجلس الأمن الدولي بأعضائه الدائمين وغير الدائمين، غير أن هذا التوجه لم يلق قبولاً حتى الآن، مع السعي لإدامة الوضع القائم على الانفراد .
وما دامت دول تسعى للعب أدوار تتعدى حدودها، من دون توافق مع أي أحد وبمعزل عن المؤسسة الأم، ومن دون ربط بين الطموحات الإقليمية وبين ضوابط مفترضة لأمن جماعي أو حتى أمن هذه الدولة الشقيقة أو تلك، فإنه يتعذر تخيل أن يتم القبول بإطار يضبط حركة الجميع .
وأبعد من ذلك، ففي غياب عقيدة جامعة وناظمة للأمن الجماعي، تحدد أوجه العداء والخصومة والصداقة والتحالف والحياد والتحييد، فإنه يبدو متعذراً رؤية اتحاد ناظم لدول متعددة الأهواء والمصالح كما هي متعددة الأولويات . . وهذا ما أدى في النتيجة لأن يصبح التكتل العربي غير المتكتل هو الأقل وزناً بين الأطراف الإقليمية، وهو وضع على غرابته لا يقض مضاجع كثيرين من أصحاب الشأن، ممن يرون في هذا الضعف مصدر طمأنينة لهم من تنمر كبار الأشقاء عليهم، فيما يرى آخرون أن هذا المشهد القاتم يساعد على تعزيز نفوذ هذه الدولة أو تلك من دون عائق أو اعتراض جديين . وهو ما يفسر شيوع التشكك وحتى التربص بين مكونات الجامعة العربية، واقتصار العلاقات بينها على المستوى الثنائي، باستثناء تجربة مجلس التعاون الخليجي التي قد تشكل في مستقبل غير بعيد مصدر إلهام لتطوير ميثاق وأداء الجامعة العربية، مع أن منطق الأمور كان يقضي العكس، أن تكون المؤسسة القومية المتطورة هي مصدر تحفيز لتكتلات إقليمية، غير أن ذلك لم يحدث، فقد أثبت الفرع كفاءة أكبر من الأصل .
ولعل الوقت قد حان الآن وقبل هذا التاريخ كي ينشغل خبراء وعلماء السياسة في مراكز دراسات وجامعات، بتفحص حال المؤسسة الإقليمية ووضع صيغ وبدائل لإخراج هذه المؤسسة من العقم وإنقاذها من الشلل، بحيث تعكس الحقوق والمصالح العليا للأمة وتتمتع في الوقت ذاته بالاستقلال عن الخضوع المباشر لأي دولة عضو، مع وضع لائحة مخالفات ضد من ينتهكون المواثيق أو يعبثون بأمن ومصالح بلد شقيق .
ضمن هذه الرؤية يمكن لأصحاب مقترح تحويل الجامعة إلى اتحاد، أن ينظموا ملتقيات بحث للتوصل إلى مثل هذه الصيغ، وأن يتبناها اليمنيون مجدداً في صيغتها التفصيلية، ومن دون التقيد بتسميات تثير فزع بعض الدول من قبيل اتحاد أو سواه . وسوف يحتاج الأمر إلى صمود طويل أمام محاولات التيئيس، وكذلك محاولات التدليس بإعلان التجاوب مع هذه التطلعات مع إفراغها من مضمونها، وربط تحقيقها بشروط تعجيزية أو بمهل زمنية مفتوحة .
وفي النهاية فإن هناك كثراً في عالمنا العربي يعتبرون شلل هذه المؤسسة وعقمها غاية الأرب، وذلك لما يوفره وجودها والانضواء فيها من حالة تمويه قومية، على سياسات غير قومية تنتهجها بدأب أطراف عديدة، تبني أمجادها على التحلل من أية ضوابط خارجية أو قيود داخلية . وعليه فإن السجال أو حتى الصراع حول هوية ومفهوم الجامعة، قد تكون له انعكاسات تساعد على تحريك السواكن، والتحديق مجدداً في الواقع العربي، واستشراف ما ينتظر هذه الأمة على أيدي أعدائها وعلى أيدي بعض من أبناء جلدتها، والسعي لتفادي تلك المخاطر بإعادة اكتشاف المشتركات وتفعيلها .