استئناف التفاوض بين أنقرة والاتحاد الأوروبي، يشكل نتيجة مباشرة للموقف التركي الحازم من الجريمة التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي في البحر المتوسط ضد أسطول الحرية وأودت بحياة تسعة أتراك . قد يبدو هذا الاستنتاج غريباً بعض الشيء، لدى من يتوقعون تطورات باتجاه واحد هو مستقبل علاقات أنقرة بتل أبيب . غير أن المستجدات لا تسير باتجاه دون غيره، وبالنسبة لأنقرة فإن المصالح التركية العليا تتقدم على أي اعتبار وتتحكم تالياً في المواقف والسياسات .
لنلاحظ أن الرئيس الأمريكي أوباما شدد غير مرة، على أن وضع عراقيل أمام انضمام أنقرة للمجموعة الأوروبية، يحمل هذا البلد على إعادة النظر في خياراته السياسية . هذا الاستخلاص منطقي، بصرف النظر عن مراميه بالإبقاء على العلاقة القديمة ذات الأفق الاستراتيجي بين تل أبيب وأنقرة، مع ملاحظة أن أنقرة لا تعقب على مثل هذا التحليل، فأنظارها متجهة إلى بلوغ هدفها في الانضمام إلى الاتحاد الاوروبي، وكل ما يساعد على ذلك مثل تصريحات أوباما ترحب به .
أمين عام حلف شمال الأطلسي (الناتو) أندرس راسموسن اعتبر الأسبوع الماضي، أن الاتحاد الأوروبي يتعامل مع تركيا بشكل ظالم ودعا من جانبه لتسريع انضمام تركيا إلى الاتحاد القاري . ويذكر أن أنقرة عضو في الناتو، لكنها شأن فرنسا الديغولية لا تنشط في الجناح العسكري للحلف، كما تبدّى ذلك في الحرب على العراق قبل سبع سنوات .
لقد صمدت تركيا أمام ضغوط أمريكية وأوروبية لحملها على الحد من مواقفها النقدية إزاء الحليف الإسرائيلي السابق، وقد اضطر الاتحاد الأوروبي لمعاودة مفاوضاته مع هذا البلد، استجابة للطلب الأمريكي، وهو بالمناسبة مطلب قديم لكن جرى التشديد عليه في الآونة الأخيرة . وهذه ثمرة سياسة مستقلة تقوم على حسن إدراك لمكانة تركيا، وعلى جسارة محسوبة .
معلوم أن الانضمام للمجموعة الأوروبية يحظى بأوسع قبول لدى الأتراك، ومن المفارقة أنه بينما يذهب حزب العدالة والتنمية ذو الجذور الإسلامية في هذا الاتجاه، فإن قوى قومية علمانية معارضة في صفوف الحزب الجمهوري تدعو لوقف التفاوض بهذا الشأن، من باب أن المماطلة الأوروبية تمس بكرامة الأتراك، والخيار الآخر لهذه القوى هو العودة للتحالف مع واشنطن وتل أبيب والاكتفاء به، كما كان عليه الحال طوال النصف الثاني من القرن الماضي، فيما يعمل حزب العدالة والتنمية على تنويع علاقاته لكي تشمل واشنطن وطهران وموسكو وبكين وجمهوريات آسيا الوسطى، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي الذي يقيم في بلدانه نحو 15 مليون تركي .
أما الاعتراضات الأوروبية على انضمام تركيا، فهي متفاوتة بين بلد وآخر وتتركز إما على الهوية الإسلامية للمجتمع التركي (71 مليون نسمة)، وإما على الموقف من جمهورية قبرص العضو في الاتحاد منذ العام 2004 والدعوة لفتح الموانئ والمطارات التركية أمامها، إضافة إلى مطالب تتعلق بحقوق الإنسان ووقف المحاكم الاستثنائية، والسعي إلى حل سلمي للمعضلة الكردية، مع تجريم النشاطات المسلحة لحزب العمال الكردستاني . وبما يتعلق بالهوية الإسلامية فقد سبق لزعماء حزب العدالة والتنمية أن أعربوا عن تمسكهم بعلمانية دولة أتاتورك مؤسس الدولة، ما أسهم في تصنيف هؤلاء بأنهم من مدرسة العلمانية المؤمنة (علمانية الدولة وإسلامية المجتمع)، فيما يجري تشبيه الحزب على ألسنة قادته ومنهم عبدالله غول رئيس الدولة، أنه حزب على غرار الأحزاب المسيحية الديمقراطية في أوروبا .
في ضوء التطورات الجارية فإنه من المنتظر أن تشهد المرحلة المقبلة تسريعاً للتفاوض التركي الأوروبي الذي بدأ منذ ستة أعوام، وذلك في ضوء المخاوف الغربية من اقتراب أنقرة من العالم الإسلامي وبالذات من طهران، وكانت تركيا امتنعت في مجلس الأمن عن تأييد العقوبات الأخيرة على طهران . علماً أن أنقرة تسعى إلى حل سلمي للملف النووي الإيراني، كما تبدّى ذلك في مبادرتها الثنائية مع البرازيل، كما للصراع العربي الإسرائيلي في رعاية المفاوضات السورية الإسرائيلية غير المباشرة، من دون أن تكون منحازة فعلياً إلى العالم الإسلامي، لكن النقلة الواسعة التي خطاها حزب العدالة والتنمية الحاكم، أظهرته في عيون الغرب كمن نقل البندقية من كتف إلى كتف . وفي واقع الأمر أن الحزب نجح في صياغة سياسة خارجية مستقلة من دون إثارة عداء أحد، كما نجح في تمثيل شرائح الريف والطبقات الوسطى في المدن، والحد من النفوذ السياسي للمؤسسة العسكرية، ما غير إلى حد بعيد من صورة المشهد السياسي الداخلي، وقطع الطريق على الانقلابات العسكرية، وهو ما أثار إعجاباً واسعاً في الاتحاد الأوروبي، حيث كانت بعض مكونات هذا الاتحاد تخشى من انضمام دولة مهددة بوقوع انقلابات فيها في أي وقت .
مع ملاحظة أخيرة مفادها أن التقرب الأمريكي والأوروبي من أنقرة الذي جاء ثمرة لسياسة مبدئية حازمة، لم يحمل أنقرة على إبداء تراجع أمام الحليف الإسرائيلي السابق . فالمطالب التركية بلجنة تحقيق دولية وتقديم اعتذار، ما زالت على حالها . والتعاون العسكري الذي لم يتوقف بين الجانبين، شهد في الوقت ذاته تطورين مهمين: وقف مناورات عسكرية مشتركة كان متفقاً عليها من قبل وكانت تتتم بصورة دورية (سنوية)، وكذلك إغلاق المجال الجوي العسكري التركي أمام مقاتلات إسرائيلية .