بين المطامح الإقليمية والصمود أمام الأمطار

03:49 صباحا
قراءة 4 دقائق

لا تحظى الكوارث الطبيعية باهتمام إعلامي كذلك الاهتمام الذي تحظى به كوارث من صنع البشر . مع ذلك فإن لتلك المسماة طبيعية، جانباً مأساوياً من صنع البشر وليس ناجماً فقط عن غضب الطبيعة . الكارثة التي حلت بالباكستان منذ نحو عشرة أيام تكشف عن هذا الجانب، فالأمطار التي هطلت موسمية ولم تكن مفاجئة، والسيول التي تشكلت ما كان لها إلا أن تتشكل وتجرف حسب قوة اندفاعها ما يسعها جرفه، لو كان هناك ما يعترضها من حواجز وسدود .

في الأيام الكئيبة الماضية، كان مسؤولون باكستانيون يشتبكون دبلوماسياً مع لندن رداً على تصريحات لرئيس الوزراء البريطاني كاميرون اتهم فيها إسلام آباد ب إيواء وتصدير الإرهاب . فيما كانت مشكلة إيواء مئات الألوف المشردين تتفاقم وفيما كان عدد ضحايا الفيضانات يصل إلى 1600 ضحية وهو عدد مرشح للازدياد للأسف مع نشر هذا المقال . الأرقام المنشورة حتى تاريخه، تتحدث عن نحو مليون فقدوا منازلهم وعن مليون ونصف مليون نسمة يواجهون المجاعة . الباكستانيون يواجهون إذن محنة كبرى أو كارثة عظمى على حد وصف منسق لأعمال الأمم المتحدة في هذا البلد المنكوب، بينما كان مسؤولون يخوضون معركة دبلوماسية سابقة على الكارثة، من دون أن تنال هذه المأساة الداهمة ما تستحقه من اهتمام استثنائي ومن أولوية قصوى .

ما حدث لا يتعلق بمفاجآت أو انقلاب في مواسم الطبيعة، ولكنه يتعلق بالتقصير بإعداد البنى التحتية في بلد الانقلابات . فالمياه الغامرة لا تجد تصريفاً لها، والقرى تقام في السفوح بما يجعلها مصباً للسيول أو على تخوم الوديان فتصبح لقمة سائغة للفيضانات، وخدمات الإغاثة وما يتصل بخدمات لوجستية أخرى تقصر عن مواجهة هذه التطورات بما يجعل عشرات القرى معزولة . وبهذا فإن حلقات المأساة تأخذ بخناق بعضها: تلوث الآبار، تلوت بحيرات المياه الراكدة، جرف مخازن الحبوب والماشية في سهل البنجاب . انتشار عدوى الأمراض، إلى آخر المسلسل المأساوي .

بدا لكثيرين كاتب هذه السطور منهم وللوهلات الأولى، أن هذه المأساة محدودة وعارضة، خاصة أن الجميع قرأوا أخبار هذه التطورات في ذروة موسم الصيف الذي امتدت عقابيله إلى روسيا التي اشتدت فيها حرائق غاباتها، غير أن موسم الأمطار في بلاد الباكستان لا يفارق موسمه، وهو في هذه الأيام في الأسبوع الأول من أغسطس/آب بات عند منتصفه، وقد هطلت أمطار غزيرة بعد الكارثة ومن المرجح هطول كميات أخرى حتى نهاية سبتمبر/ أيلول المقبل .

هذا البلد شأن بلدان أخرى في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، شهد على مدى ستة عقود سلسلة طويلة من الانقلابات، فإذا هدأت هذه لحين تنفجر أعمال العنف السياسي ثم المذهبي ثم القبلي ثم المناطقي . وضحية ذلك كله هو مستوى التطور العام والخدمات الأساسية والبنى التحتية . وأسهم جوارها مع أفغانستان في امتداد الاضطرابات إليها منذ نحو ربع قرن، فيما الصراع مع الهند فاقم من الإنفاق على التسلح العسكري ودفعه إلى امتلاك أسلحة دمار شامل أسوة بالجار الهندي . .وبهذا أصبح الوزن الإقليمي لباكستان وميزان تسلحها ومدى نفوذها في الجوار ومدى قربها أو ابتعادها عن واشنطن وموسكو وبكين، أهم عشرات المرات من البناء الداخلي ومن تحقيق تنمية مستدامة ومن رفع مستوى المعيشة . وكان الواجب يقضي بالموازنة بين هذا وذاك، بين التحديات الخارجية والمطامح الإقليمية من جهة وبين استحقاق التنمية والبناء في الداخل .

والأمر نفسه ينسحب على القوى الكبرى التي تتكالب على النفوذ في هذا البلد وخاصة الولايات المتحدة، التي لا ترى في هذا البلد إلا مجالاً حيوياً لمد نفوذها وخوض معاركها من مكافحة الشيوعية إلى مكافحة الخطر الأخضر . مع التغافل عما يحتاج إليه هذا البلد من فرص البناء .

وهو ما أخفقت به أيضاً إلى جانب السلطات والأحزاب والتيارات السياسية التي بددت في النتيجة موارد البلاد الطبيعية والبشرية نتيجة انخراطها في صراع لا ينتهي على السلطة، وتسييس الجيش وعسكرة مظاهر الحياة المدنية، حتى جعلت البلد مكشوفاً هشاً وضعيفاً، أمام مناسبة طبيعية موسمية مثل الأمطار . . مجرد الأمطار، لا أمام ما هو أقسى مثل الزلازل والهزات الأرضية لا قدر الله .

هذه المأساة التي لم تنته فصولاً، إذ تنادي المجتمع البشري للتعجيل بمد يد العون والإغاثة لشعب منكوب، فإنها تخاطب ضمائر وعقول النخب الباكستانية من شتى التيارات والمذاهب، وخاصة التيارات التقليدية المحافظة التي ذهبت بعيداً في خوض الصراعات الأهلية، كي تلتفت إلى ما عاناه ويعانيه الشعب نتيجة إدارة الظهر لمتطلباته الحيوية والإنسانية، واستخدام الناس وقوداً لصراعات فئوية، وأن ترى في المحنة الجديدة مناسبة لإحلال السلم الأهلي وبناء دولة القانون والمؤسسات، وتدارك ما فات من فرص التنمية والعمران، والالتفات إلى ضحايا الكارثة الأخيرة في مختلف المناطق الذين أودى بهم إفقارهم وبؤس معيشتهم وتدني مستوى الخدمات التي يتمتعون بها وما يلاقونه من عزلة . ولعل هناك بين الأتقياء الصالحين من يرون في أداء مثل هذه المهام النبيلة العاجلة جهاداً لنصرة الأخوة الضعفاء، وتحريرهم من الفقر والبؤس والجهل والمرض،إذ لا يسع هذا البلد أن يكون قوياً مهاب الجانب، أو أن تكون الحياة السياسية والعامة كما تشتهي النخب الدينية والسياسية، في غياب الحد الأدنى من التنمية والحياة الكريمة، ومن فرص الصمود أمام الأمطار .

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"