في أحد البرامج التلفزيونية الميدانية لإحدى القنوات الفضائية العراقية قابل مقدم البرنامج طفلاً عراقياً كان ينبش في مكب للقمامة يجمع منه العلب ليبيعها، كي يستطيع إطعام والده المعاق وأخته الصغيرة التي تساعده على جمع العلب، سأله المقدم عما يفعل فشرح له، فسأله عن حاله فامتقع وجهه البريء ولم يستطع أن يتمالك إحساس الطفولة المرهف النقي فسالت دموعه حرقة وألماً وبصوت حزين أجاب: «تعبان خالي تعبان».
ما قاله ذلك الطفل يسري على حال كثير من أهل العراق.. أحد أعرق بلاد الدنيا وأغناها ثروة، سواء الثروة المعدنية أو الزراعية أو النفطية أو المائية أو ما في باطن أرضها حتى الآن أو في ثروتها البشرية المتعلمة. فهل لنا أن نصدق أو نتصور أن الناس في العراق تخرج اليوم في مظاهرات حاشدة وفي كل مناطقه مطالبة بالعمل وتحسين الدخل، بعد أن ضاقت بهم السبل وأنهكهم الصبر أمام استغلال الساسة والأحزاب والفرق المتناحرة التي تنهب مقدرات وثروات العراق العظيم وتسلب شعبه الكريم أبسط حقوق العيش بعزة وكرامة، حيث أصبح العراق فضاء دولياً للنهب والسرقة والاستغلال؟
من يرى حال العراق اليوم ويشاهد ما وصل إليه من خوف وغياب للأمن والأمان وشظف العيش وتقطع أسباب الرزق وضياع الحقوق ونهب للثروات وهدر للمكتسبات لا يقول إلا كما عبر ببساطة متناهية ذلك «الحسين» الطفل العراقي العظيم «تعبان خالي تعبان».
ونتساءل عمن سرق كراسة رسمه.. من سرق منه لعبته، من سرق الحذاء من قدميه.. من نزع الفرحة من سمائه ومنع المطر أن يغسل حزنه.. من سرق منه الأحلام وتطاول على هذا العراق العظيم.
كلهم «فدوة» لدموعك كما قال مقدم البرنامج، أولئك الذين يحكمون العراق ولا يحكمونه، أولئك الذين تركوه نهباً للبحث عن الرزق وسد الرمق في مكبات الزبالة، كلهم «فدوة» ليده الحانية وهي تمسح دمع أخته الكريمة وفداء لقبلته الطاهرة على جبينها الأشم.
ولا نقول إلا «وا عراقاه».
إبراهيم الهاشمي