لدي اكثر من مخطوطة لمشاريع كتب أنوي إصدارها، مضى على بعضها سنوات، ينقصها أن أتفرغ لإنهائها، أو توضيبها، لتكون جاهزة لدفعها للنشر، ولكني لا أفعل ذلك، ويمكن القول حتى إنني أتهرب منه، تحت ذرائع شتى، بعضها ينطوي على شيء من الصدقية، وبعضها مفتعل أو مختلق، في نوعٍ من التحايل الذهني لإقناع النفس، أو بالأحرى إيهامها، أن الوقت غير كاف لإنجاز ذلك، ولا بد من انتظار تهيؤ الظروف، وفي كل مرة أضع لنفسي ميقاتاً، حين يأزف سأفعل ذلك، وآخر ميقات تفتق عنه ذهني هو بلوغي سن التقاعد، وهو أمر ليس وشيكاً للأسف .
شخص عزيز علي، وعلى معرفة بالأمر، وأكثر من ذلك لديه تشخيص سليم له، باغتني بأن أرسل لي صورة من مقالٍ يتضمنه كتاب “تقنيات الكتابة”، لمجموعة من المؤلفين ترجمه الزميل د . رعد عبدالجليل، ويحمل المقال العنوان التالي: “كيف تنهي دائماً ما بدأت به”، وكان هذا الشخص ماكراً في اختياره للمقال، وفي إهدائه لي، موقناً بأن الرسالة ستبلغني، وها أنا أشهد أنها بلغت .
ومع أن الكتاب المذكور مرّ بين يديّ من سنوات، وما زال بين الكتب الموجودة في مكتبتي، إلا أني لا أتذكر أن هذا المقال منه استوقفني، لذا فإني قرأته، بعد الإهداء، بعناية كبيرة، وبمتعة أيضاً، وبشغف الراغب في الأخذ بالنصيحة لا من كاتب المقال وحده، وإنما أساساً ممن تعمد إرساله لي .
نصائح الكاتب كثيرة ومن المحال سردها هنا، والكثير منها لاينطبق على حالي، ولا على طبيعة المخطوطات التي أننا بصدد إنجازها، لكنه رغم ذلك يقدم مفاتيح مهمة للكاتب حين يجد أن مشروعه قد وقف في منتصف الطريق، أو أنه حائر في الطريقة التي يتعين بها عليه وضع خاتمته أو بلوغ استنتاجاته، أو رسم المآل النهائي لشخوصه، إذا كنا إزاء عمل سردي .
في مفتتح المقال ترد الفقرة البليغة التالية: “بطريقة ما تكون قد فقدت طريقك، تبخرت الأفكار من ذهنك، تلك الأفكار التي كانت جميعها جيدة، لقد كانت الكلمات منسابة، والبلاغة تنفجر على الصفحة، ثم اختفى كل شيء تدريجياً، وها أنت الآن محاصر وسط المشروع، ولا تعرف لماذا؟” .
لن أفصح هنا بماذا أجاب صاحبنا، ولكني أكتفي بجملة قرأتها ذات مرة في مكانٍ آخر، فحواها: إذا انتابك اليأس، تذكر أين فقدت حماستك .