يوماً بعد يوم تنشأ ما قد تسمى مشكلة مسيحية في شرقنا، تتفاوت حدتها من بلد إلى آخر ومن مجتمع إلى سواه . الاعتراف بالمشكلة هو أول الطريق إلى معالجتها، والتشخيص الصحيح المطابق لواقع الحال، هو شرط للعلاج الشافي .
يتعين الاعتراف أولاً أن المشكلة ليست قائمة بذاتها، أومستقلة عن سواها عن مشكلات . إنها غصن في شجرة، ولا شفاء للغصن بغير العناية بالشجرة .
لقد نشأت المشكلة في ظل عوامل متراكمة، يقع في مقدمها الإخفاق في بناء دولة المواطنة ودولة المواطنين . وقد استعيض عن ذلك بإقامة تحالفات اجتماعية وطبقية لتأمين قاعدة اجتماعية للحكم، وترتبت على ذلك تداعيات شتى تنعقد حول مباني السلطات وشبكة ممارسات تعكس هذا الواقع، وتعمل على إدامته . وقد نشأت عن ذلك تصنيفات للناس بهوياتهم الأولية والفرعية، كأبناء مناطق وعائلات لا كمواطنين يجمعهم الوطن وحقوق المواطنة وواجباتها، كما كان عليه الحال في فترة مقاومة الاستعمار وفي مطلع الاستقلالات . وهو ما يصفه البعض بالقصور في بناء الدولة الحديثة، دولة المؤسسات التي تتعالى على الانتماءات الضيقة، وترسي عقداً اجتماعياً ودستورياً .
وإذ شكل ما تقدم الأرضية التي نشأت عليها الاختلالات الاجتماعية، فقد صحب ذلك نشوء ثقافة لا تضع فارقاً بين الريف والمدن، في التطور الحضاري وبين تاريخ الدول والأوطان وسلالة العائلات وأشجارها، وجرى ترييف المدن والهزء بالروابط الحديثة التي تجمع الناس كالأحزاب والجمعيات والعمل والجيرة المختلطة والمشاركة في تمضية أوقات الفراغ في مناشط مشتركة .
تتحمل تيارات سياسية وفكرية مسؤولية في هذا القصور، فقد دأبت على التركيز على التحديات الخارجية من دون سواها، ولم تلق بالاً للتغييرات الاجتماعية والثقافية التي لا تقدم ولا نهضة من دون تحقيقها . والذي حدث بعدئذ أن جمهور التيارات اليسارية والقومية، نزح في أغلبيته الغالبة نحو الانضواء في التيارات المحافظة، من دون أية صعوبة في هذا الانتقال، ما دام الأمر يتعلق بخطابات للتحرر من سطوة الخارج فحسب، وغير مقترن بتغيير اجتماعي وثقافي في الداخل، وهو ما لم تضعه التيارات المتراجعة في أولوياتها .
بسيادة هذه التيارات على الشارع وعلى الفضاء العام الشعبوي، تراجع وضع المرأة والنظر إليها، والحريات الفردية، وقيم التنوع الاجتماعي والثقافي، وطغت مفاهيم احتكار الصواب السياسي والأيديولوجي، واختلطت صورة الغرب الثقافية والحضارية بصورته الاستعمارية وكأنهما أمر واحد . وهو خطاب ظل سائداً ومتغلغلاً ويفعل فعله في تسعينيات القرن الماضي على يد حركات جهادية في الجزائر على سبيل المثال، تناصب الدولة والمجتمع مُر العداء، ومع انتصار الثورة في الجمهورية الإسلامية في إيران .
هذه المشاريع ولها ما يردفها في منطقتنا، اكتسبت مضموناً دينياً صريحاً لا يخاطب أبناء المنطقة من المواطنين المسيحيين .
وجاءت أحداث 11 سبتمبر/أيلول في الولايات المتحدة، وما نجم عنها من ربط عملي للمسلمين بالإرهاب، كي ينشأ صراع، ثقافي وأيديولوجي لا سياسي فحسب، يجد المواطنون المسيحيون مكاناً لهم في هذا الصراع لكنه ارتد بالسلب عليهم، حتى كان احتلال العراق ثم ظهور حركات متطرفة تناصبهم العداء جهاراً نهاراً وبملء الفم، وكما هو الحال في العراق، وهو ما وجد له تأسيساً في الجزائر قبل عقدين من الزمن .
يتفاوت تشخيص المشكلة التي ينوء بها قطاع من المجتمعات العربية المشرقية، من بلد لآخر، ففي لبنان نشأ نظام طائفي لم ينجح في تغليب عوامل قوته على عوامل ضعفه البنيوي بما يسمح باستيعاب المشكل الطائفي وتجاوزه . وفي مصر فإن جنوح نظام السادات لتقريب جماعات إسلامية إليه، أدى إلى تفاقم المشكلة لاحقاً، وخاصة مع إخفاق السلطات والجماعة الدينية الإخوان المسلمون، في التوصل إلى صيغة لتشريع الجماعة ومنع تديين السياسة في الوقت ذاته .
والآن مع بروز المشكلة هنا وهناك، والتي يدفع ثمنها مواطنون لا ذنب لهم سوى أنهم يقيمون على دين آبائهم وأجدادهم، شأنهم شان غيرهم من مواطنين، فإن أول العلاج يكمن في تحريم وتجريم من يصنف المواطنين على أساس ديني، ومن يهدد غيره أو يوغر صدور أبناء جماعته، ضد جماعات أخرى . وهذه مهمة كانت المجتمعات تتولاها في السابق بصورة عفوية لكنها فعالة، وذلك في ظل عاملين متضافرين: العمل من أجل التحرر الوطني الذي يضم في بوتقته الجميع تحت لواء وطني واحد، والعامل الثاني هو النزوع إلى التمدن: التعليم ورفع مستوى المعيشة واستخدام وسائلها الحديثة، والإقرار بأهمية اختلاط مكونات المجتمع .
لا يتم حل المشكلة بطبيعة الحال بمجرد صدور قرارات فوقية، بل بالتجند العام لمناوأة كل ثقافة متطرفة أياً كان مصدرها ولبوسها، بعد أن ثبت للمرة الألف أن التطرف يمزق نسيج المجتمعات، ويؤدي إلى تصحر اجتماعي، ويضعف المناعة في مواجهة التحديات، ويعيق تطور النظام السياسي ويبدد ثمرات التنمية ويفتح الباب أمام تدخلات خارجية . ومن حق المرء أن يتوجس من أي منظور ينظر أصحابه إلى مواطنيهم المسيحيين، كما إلى أية ملة أخرى على أنهم أقلية، فهم مواطنون كاملو المواطنية، وحماية الحق في المواطنة هي حماية لكل شرائح المجتمع ولكل أفراده كما للنظام السياسي هنا وهناك .