د. حسن مدن
على أحد حسابات التواصل الاجتماعي، نشرت فتاة من إحدى دول الخليج صورة لرجل من بلدها، التقطها أحد الرحالة الغربيين الذين قصدوا بلدان المنطقة، إما إرضاء لشغف أو فضول، أو في مهام استكشافية كلفوا بها من قبل حكومات بلدانهم. بدا الرجل في الصورة في ثياب رثة، ومظاهر العوز بادية عليه، وكتبت الفتاة تعليقاً على الصورة مفاده: «تأملوا في الظروف الشاقة التي عاشها أجدادنا».
شاب من البلد نفسه كتب تعليقاً ذهب فيه إلى رأي نقيض فحواه: «هذه الصورة وكل ما يشبهها تعكس رغبة هؤلاء الرحالة في تنميط صورة أهل هذه المنطقة شرقيين متخلفين، ففي الزمن نفسه الذي زار فيه هذا الرحالة المنطقة، كانت ثمة مدن عرفت التجارة والحرف اليدوية المتقنة، وبها فنون وأشكال تعبير رمزية مختلفة، فلماذا لم يهتم بالتقاط صور لأسواق هذه المدن ودكاكينها ودور الطرب فيها؟».
رأي الفتاة ورأي الشاب حول تلك الصورة، هو نفسه جوهر النقاش حول رؤية الشرق في عيون الرحالة الأوروبيين إلى بلداننا، المشرقية منها والمغربية، فهل أتى هؤلاء ليكرسوا الصورة النمطية عن هذا الشرق «المتخلف»، كما ينظرون إليه، أم لرؤية ما فيه من أسرار وخبايا وكنوز ثقافية ومعمارية أثرية؟
الإنصاف يقتضي عدم وضع كل من أتى الشرق من الأوروبيين في سلّة واحدة، هناك فعلاً من أسرهم هذا الشرق وأحبّوه، كمكان وكبشر؛ بل إنهم زهدوا في حياة الترف الغربي وآثروا أن يعيشوا ويموتوا في بلدان عربية وشرقية أحبوها.
مؤخراً ذاع خبر وفاة الفنانة التشكيلية السويسرية، إيفلين بوريه، عن عمر ناهز 82 عاماً، بقرية تونس في الفيوم بمصر، التي أسهمت في تحويلها إلى مقصد سياحي عالمي ومركز إقليمي لصناعة وتصدير الخزف والفخار. أتت هذه السيدة إلى مصر عام 1965، فلم تقو على مغادرتها، وسرعان ما نبتت لها جذور في هذا البلد الذي أحبته، حتى إنها سعت للحصول على الجنسية المصرية، فتعذّر ذلك، ولكن تمّ منحها تصريح إقامة طويلة.
إنها نموذج للأوروبيين الذين لم يأتوا الشرق لرؤيته بعيون غربية، وإنما للإندماج فيه، ومحاولة ترك بصمة تبقى فيه، بدوافع محض إنسانية وثقافية، وليس مصادفة أن المرأة اختارت قرية تونس بالفيوم، التي توصف بأنها واحة ساحرة في قلب الصحراء وعلى ضفاف بحيرة قارون، حتى إنها غدت موقع تصوير لأكثر من عمل فني، لما هي عليه من جمال.
أحد طلاب مدرسة الخزف التي أنشأتها الفنانة السويسرية قال إنها غيّرت وجه القرية تماماً، وأحدثت تنمية مستدامة.
[email protected]