العالم يعيش في عصر تتضاعف فيه التقنيات والمعارف، فثورة المعرفة وسرعة العولمة تغيران وجه العالم بشكل أسرع مما نتحمله أو نستوعبه، وترسم صورة ظلالية للحقبة التاريخية التي نعيشها والتي تعتبر الثورة كل الثورة على كافة العلوم الإنسانية والتطبيقية . إذ إن في غضون خمس سنوات من الآن ستتلاشى العديد من التقنيات الحديثة والهوة الفاصلة بين الحلم والواقع وبين المستحيل والممكن في عالم المعلومات . ففي عام 2010 وحده نُشر على الإنترنت أكثر مما نشرته البشرية بالطرق التقليدية في آخر خمسة الآف سنة، وأما المعلومات التقنية فتتضاعف كل عام، وهو ما يعني أن الحصول على المعلومات والتقارير والوثائق التي تنشر عبر العالم ليست كما كان في العصور الماضية لأن قانون التطور لم يعد تحدده قفل الحدود البرية والبحرية طالما السماء مفتوحة بأقمارها الاصطناعية . كما أن منظومة التطورات التكنولوجية من خلال الشاشة الإلكترونية وحدت العالم من أجل أن يتكامل في المستقبل، فهناك تصورات ستتحول إلى إنتاج سلعي في كل أسواق العالم، حتى إن مسألة الكشف عن أمراض أي إنسان من خلال الوسائط الحديثة أو إجراء عمليات جراحية عن بعد بين فريق طبي يشترك أعضاء من عدة قارات سيصبح أمراً سهلاً وبسيطاً .
والفضل في ذلك يعود إلى العلماء والمفكرين الغربيين الذين خلصوا الإنسانية من قيود العبودية الفكرية، وأنهوا الأبعاد الجغرافية والإنسانية وجعلوا المجتمعات المتقدمة ترسم الخطوط العامة لتطور الحياة الاجتماعية وتسير فيه قدماً إلى المستقبل الوضاء، ومكنّت الإنسان في كل مكان من أن يشترك ويتواصل مع غيره في القضايا الأساسية من أجل تحقيق نظام عالمي جديد قد تتحقق في ظلاله العدالة المرتقبة من جانب كافة شعوب العالم، وتقترب فيه رياح السلام من بؤر الصراع، ويستقر فيها التوازن الجيوبوليتيكي بين القوى الكبرى، والهدنة المسلحة قد تكون أقرب إلى المصالحة والتعاون، فالقوة ليست بديلاً عن الحق ولا مرادف له، لكنها في أجمل صورها وأسمى معانيها هي حامية للحق، وقد يدخل العالم في حسابات جديدة وسيناريو لما يمكن أن يؤول إليه هذا القرن بعد هذه التطورات الإلكترونية العلمية على اعتبار أن الإنتاج العلمي الإنساني إنما هو دوائر وحلقات تترابط مع بعضها على امتداد التاريخ المعرفي الإنساني، ونستطيع أن نستنتج من تلك الأهداف أن البشرية قد تحقق الآمال اليوتوبية بمفهومها الشامل، وهي أسئلة الإنسان الكبرى وقضاياه الملحة .
إذ تعمل اليوتوبية (المثالية) على تدمير الفوارق بين الشعوب وتنظر إلى الإنسان في كل مكان على أن يشترك مع غيره في القضايا الأساسية بعد أن خيل لكثيرين بأن الفكر اليوتوبي في حالة احتضار مع توالي الحروب والخلافات والصراعات، وهدر الطاقات وسقوط الأيديولوجيات والتلافيف المخيفة بالتصورات المثالية في هيئة العالم وطبيعته، وغدت الطبيعة في نزاع وتبادل الانتصار وتنازع المادة والزمان للإرادة العليا للعقل التي تتخذ الفردية المثالية رسومها ومعالمها .
فالمفكرون الإنسانيون انشغلوا منذ أقدم العصور في البحث عن مدن وجمهوريات مثالية يحيا فيها البشر آمنين مطمئنين ومتجاوزين واقعهم إلى عالم مفعم بالأمل والخير والعدالة والإخاء والحرية والسلام، وذلك انطلاقاً من حبهم غير المحدود للبشرية، وإيمانهم بتنوع أشكال التطورات الاجتماعية والنظريات السياسية التي تضم مختلف المؤسسات وتنظيمات الحياة، نتيجة تأثير الفكر الفلسفي والسياسي اليوناني على أفكار اليوتوبيين في ما يتعلق بتصورات الدول المثالية وفنون الحكم والإدارة، وهي رسالة نبيلة تنبش العمق الإنساني وتدعو إلى العقلانية كونها القوة القادرة على كشف المفاهيم والنظم التي تحكم العالم المتغير وتخلق الانسجام بين الحكومات والشعوب . غير أن التفكير اللاهوتي في العصور الوسطى قد أسقط الدول المثالية على العالم الآخر . وكان من الصعب على اليوتوبيين في عصر النهضة تخيل مجتمعاتهم على غرار مجتمعات تصورها مفكرو الإغريق، ولهذا وضعوا دساتير وأنظمة مثالية لمواجهة المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وخلق وحدة جديدة بين الأمم . ولعل الغاية الإنسانية لهؤلاء ترمي إلى إيجاد سياسات جديدة تبحث عن العدل والحق والمساواة، وتكرس باحترام قيمة الإنسان والارتقاء بالنفس الإنسانية إلى المبادئ العالية حتى تصبح مرآة مجلوة تحاذي شطر الحق، وتتجاوز الحياة الواقعية في ظل طغيان المعايير المادية والقيم الاستلابية التي تجرد المرء من إنسانيته .
ولا ريب أن سلامة العالم العربي ومشاركته الفعالة في بناء الحضارة الجديدة إنما تتوقف على معرفة دوره في هذه الدراما الإنسانية ومسايرته الاتجاهات العلمية الكبرى التي ظهرت من معين الاهتمام بالمسائل العلمية، وذلك بالاستناد إلى أسس عميقة تتصل بحاجات الفكر الجمعي واعتماد العقلانية الحسية محوراً ومرشداً ولخصوصيات المعرفة الحسية التي تشكل المنطلقات الأساسية في السعي للمعرفة المعاصرة، وتبرز دورنا الفاعل في دفع عجلة المعرفة الإنسانية إلى الأمام ما يعمق إحساس الآخرين بوجودنا المكاني والزماني .
ومن دون التغني بالماضي أو البكاء على الحاضر، فعجلة الزمن تدور وتسحق بدورانها كل من لا يواكب سيرها، إنها حقبة جديدة كل الجدة من تاريخ الجنس البشري، ويستوجب أن تتكون لدى الأمة العربية المخيلة والمناخ السيكولوجي ومثالية المنطق من الذات والنظريات والقوانين العلمية والعملية، كي تسير في معراج هذا التطور .
كاتب من الإمارات