عادي

تونس.. أبواب الإصلاح موصدة

22:57 مساء
قراءة 3 دقائق

د. محمد عز العرب *
تواجه تونس أزمات مترابطة في توقيتات متزامنة، وهو ما يعكسه الخلاف بين رأسي السلطة التنفيذية (الرئيس قيس سعيّد ورئيس الحكومة هشام المشيشي) وتصاعد التجاذب السياسي بين الكتل الرئيسية داخل البرلمان، وكذلك تفاقم الضغوط الاقتصادية بأشكال مختلفة مثل انخفاض معدل النمو وارتفاع نسب التضخم وازدياد الدين الخارجي، وتدهور الوضع الصحي من جرّاء تفشي كورونا.

تعددت أبعاد وملامح الأزمة الداخلية التي تشهدها تونس، خلال الفترة القليلة الماضية، على النحو التالي:

1- استمرار تصاعد الأزمة السياسية: فقد شهدت الأشهر الستة الماضية تصاعد الخلافات والصراعات السياسية داخل البلاد، والمرتبطة بتفاقم أزمة الرئاسات الثلاث (الدولة- الحكومة - البرلمان)، والتي ترتبط بدرجة رئيسية باعتراض الرئيس قيس سعيّد على عدد من الوزراء (11 وزيراً) وتزايد الاستقطاب السياسي بين الرئيس سعيّد، وحركة النهضة بزعامة راشد الغنوشي والتي تسيطر على البرلمان، وتصاعد الخلافات بين التيار المدني بقيادة الدستوري الحر والتيار الإسلامي بزعامة حركة النهضة وائتلاف الكرامة بسبب ميول الائتلاف الحاكم للهيمنة.

ولا توجد مؤشرات توحي بتجاوز تلك الأزمة في ظل محدودية فرص نجاح المبادرات الداخلية في حلها ومحاولة تدويل الأزمة. ومن المرجح أن تزيد الأزمة السياسية المتفاقمة من صعوبة الخروج من الوضع الذي وصلت إليه الحالة الاقتصادية والصحية لاسيما في ظل رفض حركة النهضة إجراء مشاورات سياسية مع تيارات سياسية.

ولذا، تصاعدت دعوات من قبل قوى سياسية وأصوات برلمانية بإجراء انتخابات برلمانية مبكرة. وكان آخرها إصدار النائب اليساري «منجي الرحوي» في 17 يوليو الجاري بياناً دعا فيه التونسيين للنزول إلى الشارع يوم 25 يوليو الجاري للمطالبة بحل البرلمان وتنظيم انتخابات مبكرة، وإسقاط الحكومة التي تسيطر عليها حركة النهضة.

ضغط اقتصادي

2- ازدياد المشكلات الاقتصادية: والتي تعددت مؤشراتها مثل انخفاض معدل النمو الاقتصادي وارتفاع نسبة التضخم والذي بلغ 5.7%. كما بلغ العجز المالي حوالي 11.5% مع نهاية عام 2020، وارتفاع الدين الخارجي إلى حوالي 77% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2021، وزيادة مخاطر نقص السيولة المالية والخارجية.

وفي هذا السياق، أعلنت وكالة التصنيف الائتماني «فيتش رايتينج» (Fitch Rating) في 8 يوليو 2021 قرارها بتخفيض التصنيف السيادي لتونس إلى مستوى «ب سالب» (- B) وهو التصنيف نفسه الذي قامت به وكالة «موديز» في مطلع العام الحالي، (تقييم لمدى قدرة البلد على الإيفاء بالتزاماتها المالية الخارجية ومواصلة تسديد ديونها).

يضاف إلى ذلك تذمر قطاعات ليست بالقليلة من المجتمع التونسي من سياسات الحكومة. وقد ترجمت المظاهرات والاحتجاجات الشعبية التي انطلقت خلال الفترة الأخيرة في بعض المدن التونسية حالة الغضب الجماهيري العام تجاه تلك الأوضاع الاقتصادية غير المستقرة، وتعبير هذه المظاهرات عن رأي عام تونسي رافض لبرامج الإصلاح التي تخضع لإشراف صندوق النقد الدولي، وهو ما يحد من قدرة الحكومة على تطبيق هذه البرامج تجنباً لزيادة حدة عدم الرضا الشعبي عن الحكومة.

انهيار صحي

3- انهيار حاد للمنظومة الصحية: حيث تشهد البلاد خلال الفترة الأخيرة تزايداً غير مسبوق في أعداد المصابين بوباء كورونا، وارتفاع أعداد الوفيات، وهي مؤشرات خطيرة على انهيار الوضع الصحي في البلاد، وظهر ذلك في البيانات الأخيرة الصادرة عن منظمة الصحة العالمية التي وصفت عدد الوفيات في تونس بالأعلى في المنطقة العربية والقارة الإفريقية بعد تسجيل مئة حالة وفاة في اليوم، حيث تعاني عدد من الولايات (القيروان - سليانة- باجة- تطاوين- القصرين) وضعاً وبائياً صعباً للغاية، بعد وصول نسخة «دلتا» المتحورة من وباء كورونا للبلاد.

لذا، قالت نصاف بن علية المتحدثة باسم وزارة الصحة التونسية، في 8 يوليو الجاري، إن «المنظومة الصحية في البلاد انهارت مع امتلاء أقسام العناية الفائقة وإرهاق الأطباء والتفشي السريع لجائحة كورونا».

وفي هذا السياق، قدمت عدة دول عربية مثل الإمارات ومصر والسعودية والمغرب وموريتانيا مساعدات طبية عاجلة لتونس؛ بل ساد تخوف لدول الجوار التونسي من تأثيرات الوباء العابرة للحدود.

خلاصة القول، إن الوضع الداخلي التونسي مأزوم، وتجاوزه مرهون بتعديل النظام السياسي «الهجين» الذي يجمع بين النظامين الرئاسي والبرلماني على النمط الفرنسي، بحيث يتمتع الرئيس بسلطات أكبر تمكنه من إدارة الملفات الداخلية بحرية، وهو ما تعارضه حركة النهضة التي تقود الائتلاف الحاكم وتحوز الأغلبية في مجلس نواب الشعب التونسي، وترى أن الأولوية في المرحلة المقبلة العمل على مواجهة الأزمة الاقتصادية والمعيشية والصحية. وفي ظل هذا التباين، يظل باب الخروج من المأزق غير واضح للعيان.

* رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"