الذكاء الوجداني

نفض الغبار
12:18 مساء
قراءة 4 دقائق

والعصر إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر . لا شك في أن معظم القضايا والمشكلات والنزاعات والحوادث التي تحدث بين أفراد الأسرة الواحدة أو بين المجتمعات، سببها زيادة التوتر والانفعالات بصورة يصعب السيطرة عليها، وبالتالي قلة التفكير، وعدم التحكم في هذه الانفعالات، خاصة السلبية السيئة منها بواسطة العقل، وبالتالي تظهر لنا أهمية الذكاء الوجداني ودوره الإيجابي في السيطرة على هذه الانفعالات، في هذا القرن الذي اشتدت فيه الصراعات النفسية سواء داخل المجتمع أو بين المجتمعات، وما يتطلبه هذا الضبط من ذكاء وتفكير بصفة عامة، والذكاء الوجداني بصفة خاصة .

فزيادة هذا النوع من الذكاء لدى أفراد المجتمع تؤثر في ضبط النفس والانفعالات بينهم، وتساعد في تحويل هذه الانفعالات السلبية من كره وبغض واحتكار وتدبير مؤامرات وغيبة ونميمة وإثارة الفتن وعدوانية إلى انفعالات إيجابية، حب وتقديم المساعدات للمحتاجين وتقدير واحترام وصدق وأمانة، أي إعلاء وتسام لهذه الانفعالات السيئة في صورة يقبلها المجتمع وتساعد على تقدم وازدهار هذا المجتمع وبالتالي إبداعه والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، وهذا ما أكده هنري برجسون بأن الإبداع هو انفعال أسمى من العقل، فالطابع الوجداني يضفي لونه على كل جهد عقلي يبذله الإنسان، ولهذا فالذكاء الانفعالي هو جزء من الذكاء الوجداني ومن مكونات هذا الذكاء الوعي بالذات والوعي بالانفعالات والمشاعر والأحاسيس والأفكار وهذا الوعي بالذات سماه هوارد غاردنر 1983 الذكاء الذاتي، ومن مكونات الذكاء الوجداني القدرة على السيطرة على هذه الانفعالات، أي القدرة على السيطرة على الانفعالات بطريقة تنمي القدرات العقلية والوجدانية .

ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يتملك نفسه عند الغضب، فالذكاء الوجداني يجمع بين الانفعالات الشخصية والانفعالات في سياقها الاجتماعي، فهو القدرة العقلية التي تعمل من خلال التفاعل بين الجانب العقلي والوجداني في الشخصية، لذا فالذكاء الوجداني أوسع من الذكاء الاجتماعي . فالفرد الذكي انفعالياً أو وجدانياً يعد فرداً أفضل من غيره في التعرف إلى انفعالاته وانفعالات الآخرين، ولديه قدرة كبيرة على التعبير عن انفعالاته بصورة دقيقة تمنع سوء فهم الآخرين له، فعندما يغضب فإن لديه القدرة على عكس انفعال الغضب على ملامح وجهه وصوته، كما أن لديه القدرة على إظهار التعاطف مع الآخرين وفهم وتحليل انفعالاته كالتمييز بين الشعور بالذنب والحياء والحزن والغضب والشعور بالحسد والغيرة، كما أن لديه القدرة على السيطرة على انفعالاته بطريقة تنمي قدرته العقلية والوجدانية كتأجيل إشباع حاجاته .

ولماذا يتعثر في الحياة من يتمتعون بذكاء مرتفع بينما ينجح آخرون من أصحاب الذكاء العادي نجاحاً باهراً غير متوقع؟ يجيب غولمان في كتابه الذكاء العاطفي إن الذكاء العاطفي الوجداني الذي يتمثل في ضبط النفس، الحماسة، المثابرة، القدرة على حث النفس على العمل، هذه القدرات التي تمثل الذكاء العاطفي والتي يمكن أن نعلمها لأطفالنا في الصغر هي السبب في ذلك، وإذا تم تعليمها نضمن لهم فرصاً أفضل من إمكاناتهم النفسية .

فالاعتناء بالعواطف والمشاعر في التطبيق يمثل طوق النجاة الذي يواجه به الانحراف العاطفي، فالمخ الانفعالي الذي تكلم عنه غولمان وما فيه من عواطف يرشدنا إلى كيفية مواجهة الأخطار والمشكلات .

ففي دماغنا عقلان، العقل العاطفي والعقل المنطقي وبينهما تنسيق رائع، حيث إن المشاعر والأحاسيس ضرورية للتفكير والتفكير ضروري للمشاعر والاحاسيس، فالذكاء العاطفي الوجداني وما يشمله من قدرات على التميز والاستجابة الملائمة للحالات النفسية والمزاجية والميول والرغبات الخاصة بالآخرين يعتبر أفضل من الذكاء الأكاديمي للتعامل مع هذا القرن المملوء بالاضطرابات والتقلبات النفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، حيث إن العجز عن امتلاك هذه القدرات مثل التحكم في النفس والتعاطف يلقي بنا في غيابات العنف الاجتماعي وتكرار النكسات بين الناس وزيادة المشكلات بين أفراد المجتمع أو مجتمع ومجتمع آخر، فالمشاركة الوجدانية التقمص الوجداني هي ميكانيزم أساسي في الإيثار والأحكام الأخلاقية الحسنة . وكثير من الآباء والأمهات لا يدركون ولا يعلمون أن قدرات الذكاء العاطفي ومكوناته تتكون في السنوات الأولى من حياة الطفل، وخاصة ما قبل المدرسة الابتدائية وعلى مدى نجاح الآباء في تربيتهم لأبنائهم يكون ذكاؤهم العاطفي الوجداني، فالدماغ يستمر في النمو بعد ولادة الطفل ويبلغ ذروته في السنوات الأولى من عمر الطفل وهو بذلك يحدد قدرة الإنسان على تلقي المعلومات وتحليلها والتعامل معها فينمو ذلك الجزء من الدماغ وهو ما يسمى أميجدالا Amygdala، فهذا الجزء هو المسؤول عن تخزين جميع العواطف والأحاسيس النفسية والاجتماعية والتي تشكل دروساً عاطفية للطفل، تبقى مدى حياته كمرجع للتعامل مع محيطه الأسري والمجتمع الذي يعيش فيه، فهذه العواطف والاحاسيس تتخزن في الدماغ بصورة بدائية لأنها تخزن في وقت كان لا يستطيع فيه الكلام بصورة جيدة وعاجز عن التحليل، ولذلك عندما تستثار هذه العواطف يكون أول تصرف يقوم به الإنسان هو التعبير عنها والتي تذهل الإنسان نفسه بعد حدوثها والانتهاء من رد الفعل التلقائي السريع وهذا ما أطلق عليه في علم النفس اختطاف العقل .

[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"