الهوايات أسلوب حياة

تسيطر على صاحبها في كل الأوقات
12:20 مساء
قراءة 7 دقائق

تعد الهواية من الأمور المحفزة للإنسان على العيش بطريقة سليمة . ففيها يفرغ طاقته ويستمتع بها بأوقات فراغه، ويطل بها على الحياة بطريقة راقية وممتعة . ومن الشباب من تشغل هوايته جزءاً من وقته، بينما يحولها البعض إلى هاجس يؤثر في طريقة حياته واختيارات ملبسه وألوانه المفضلة، لتتحول إلى أسلوب حياة يصعب الفصل بينها وبين بقية تفاصيلها . فهذا يفضل أن يلبس الأحمر لحبه لأحد الفرق الرياضية، وآخر يسمي نفسه باسم أحد النجوم، بينما يملأ البعض بيته بالورود لحبه الشديد لها . وآخر يحول بيته لمكتبة لولعه بالقراءة . كما يفضل ملاصقة الكمبيوتر له هنا وهناك، بينما لا ينام آخرون إلا على صوت الراديو او الموسيقا .

يعرف خالد فراس ( 24 عاماً خريج كلية الهندسة بعجمان) بين أصدقائه باسم ميسي، لاعب فريق برشلونة لكرة القدم، لحبه الشديد له وقدرته على تقليد بعض مهاراته وطرق إحرازه للأهداف .

ويقول فراس: هوايتي الوحيدة كرة القدم، وكنت أتمنى أن أكون نجم كرة مشهوراً ولم أتمكن . وحول الشبه بينه وبين ميسي وتسميه أصدقائه له بهذا الاسم، يضيف: ليس هناك شبه، لكنه نجمي المفضل، أقلد مهاراته وأجمع صوره من كل الصحف، ولدي كل مبارياته على جهاز الكمبيوتر، وأكون في قمة سعادتي عندما يناديني أصدقائي ميسي .

وعن رأيه في تأثير هوايته لكرة القدم في حياته خاصة ملابسه، يقول: الرياضة جزء مهم في حياتي، وما أجمل أن تسيطر عليك، بدلاً من أن تشغل وقتك بأشياء ضارة، أما بالنسبة للملابس الرياضية فكم هي مريحة وفضفاضة، وألوانها تبهجني وتذكرني دائماً بحلمي الذي لم يتحقق كلاعب كرة .

ومن بين المدمنين على الهواية هند العلوي (ربة منزل) والتي قابلناها في أحد المراكز التجارية تشتري كمية كبيرة من الزهور، إذ تحول منزلها إلى بستان كبير مليء بالعديد من أنواع الزهور من كل بلاد العالم . وعن تلك الهواية وتحولها إلى أسلوب حياة حاضر في كل لحظة وأمام عينيها في المنزل تقول: أحب الزهور وتعلمت كيفية الاهتمام بها منذ الصغر، وأعتبرها أهم هدية لمن تحب، كما أنني لا استطيع العيش في منزل خال من الزهور .

وعن تسلل الهواية إلى حياتها الاجتماعية وتحولها لإدمان تقول العلوي: في بعض الأحيان اشعر كأني في محل للزهور، وعلى الرغم من أن زوجي لم يكن محباً لها، إلا أنه سرعان ما تعود على منظر الورود في كل ركن في المنزل .

وفى دلالة على تمكن الهواية من حياة البعض، سمت العلوي ابنتها الوحيدة سوسن على اسم أحب الزهور اليها .

ومن الناس من بدأت علاقته بالإنترنت مع البريد الإلكتروني، وتتطور هذه العلاقة ليصبح عضواً في كل المنتديات، والمواقع الاجتماعية وغرف الدردشة، ليظهر نوع آخر من الإدمان وهو إدمان على الانترنت، والذي يبلغ درجة أن يستفيق أحدهم من نومه أمام الشبكة، باحثاً عن التسلية والترفيه ومطالعة الصحف والمواقع الإخبارية، ثم لا يدري بالساعات وهي تمر لتتحول هوايته في الجلوس أمام الكمبيوتر، إلى نقمة تجلب إليه الكثير من الأمراض النفسية والاجتماعية .

ومن بين هؤلاء (ع . السعيد 17 عاماً) الذي يقضي يومه كاملاً منشغلاً بالانترنت، ويوزع اهتمامه بين الكمبيوتر الموجود في حجرته، وبين الآخر المحمول، أما في السيارة أو المراكز التجارية فيعتمد على البلاك بيري ليبقى متصلاً مع أصدقائه الافتراضيين، منعزلاً عن العالم الواقعي .

يقول السعيد: لا أستطيع العيش لساعة واحدة بعيداً عن الشبكة العنكبوتية، فكل لحظة هناك رسالة من صديق بحاجة لرد، أو موضوع مهم يحتاج مني دخول غرفة دردشة للمشاركة فيه .

ويضيف: لا أعتقد أني مدمن انترنت، ولكنك تستطيع أن تقول إني من المهتمين بهذا المجال، خاصة أن لي عدداً محدوداً من الأصدقاء الحقيقيين، ولدي العشرات منهم على الانترنت من جميع أنحاء العالم، فكيف لي أن أبتعد عن أصدقائي .

ومن الهوايات الجميلة التي حولها البعض إلى هوس سماع الموسيقا والراديو، إذ يحرص البعض على تواجد السماعات في أذنيه منذ الصباح، ولا يستطيع النوم إلا وهو يتابع أحد البرامج .

يقول وسام مغني (17 عاماً لبناني)، الذي قطعنا عليه خلوته في سماع أحد الأغنيات عبر الأم .بي .ثري: أحب سماع الموسيقا، في البيت والشارع، وأثناء تناول الطعام وممارسة الرياضة . وعند سعادتي أسمع موسيقا صاخبة، أما إذا كنت أمر بحالة نفسية سيئة فأسمع الكلاسيكيات .

وعن تسبب تلك الهواية في عزلته عن عالمه الاجتماعي يقول: لا أعتقد أن الموسيقا تعزلني عن محيطي، لأنها في حد ذاتها عالم مستقل، يدخله أصحاب الذوق الرفيع والآذان الجيدة .

محمد الخالدي (موظف بشركة لخدمات التأمين) يعتبر الراديو هوايته الوحيدة، وأداة توصله بالعالم وتجلب له السعادة، ويشير إلى أن حياته منظمة بحسب ما يسمع من برامج إذاعية، فهو مثلاً في السيارة يسمع برنامج الرابعة والناس على إذاعة عجمان، وعندما يعود للمنزل يسمع صباحاً برنامج شريعة النور على إذاعة الشارقة، ولا يستطيع النوم إلا عندما يسمع إعادة برنامج نقطة حوار على إذاعة بي بي سي .

وعلى الرغم من ترتيبه لحياته على شكل خريطة برامج إذاعية، وعدم نومه إلا على برنامج وحيد، لا يعتبر الخالدي نفسه مدمناً على هواية لا يتأثر بها الفرد عندما يفقدها، وبالطبع لا يسعى للتحرر منها، كونه متعايش معها منذ سنوات .

وعلى الرغم من محاولة الأهل دفع أبنائهم لاتخاذ هواية معينة، توسع مداركه وتساعده على الحياة بأسلوب جيد، هناك بعض الأسر تحاول جاهدة نهي أبنائها عن الجلوس أمام الانترنت بالساعات، أو سماع الموسيقا الصاخبة .

يقول محمد عبد الله محمود (مدرس بدبي)، إنه يعاني إدمان ابنه سماع الموسيقا بصوت عال، وإنه على الرغم من تأثر إحدى أذني الابن، إلا انه مازال يمارس تلك الهواية، محولاً بحسب رأيه الموسيقا إلى أداة لإيذاء نفسه والمحيطين بالصخب .

ويضيف: حاولت أكثر من مرة إخفاء الأقراص التي يحمل عليها الأغاني، لكنه يحمل غيرها من الانترنت، ووصل بي الحال لإخفاء ما يضع في أذنيه من مشغلات الأغاني من ام بي ثري وخلافه، فيتحول إلى الهاتف الذي صار يقوم بنفس الوظيفة .

6 ساعات قراءة

قد تتحول القراءة من هواية مفيدة تزود الإنسان بالخبرات الحياتية إلى عادة مزمنة، لاسيما بعد أن يلاصق الكتاب متصفحه، وكأنه جزء منه يفتحه كلما انشغل عنه الآخرون أو حتى في لحظات يفترض أن تخصص للتواصل بين الآخرين . زيد القصصي (مترجم ومدير مكتب إحدى شركات الدعاية بدبي) من هؤلاء المدمنين، وكأنه أخذ من اسمه نصيب الأسد، فهو قصصي ويعشق قراءة القصص والروايات . وعن ذلك يقول: بحكم عملي، أترجم يومياً عشرات الصفحات لكبار الكتاب والمؤلفين في العالم، ولكني سرعان ما لاحظت تعودي وانجذابي لبعض الأقلام وحبي الشديد لأسلوبهم، لدرجة أنني أصبحت أقرأ في الحمام والسيارة وأنا أتناول الطعام، وعلى الرغم من محاولاتي المتعددة لتقليل عدد ساعات القراءة التي بلغت 6 ساعات يومياً، ساعة صباحاً، وثلاثاً في العمل، وساعة بعد الغداء، وأخرى قبل النوم .

وعن كيفية متابعته لأعماله وحياته وعلاقته الاجتماعية يقول القصصي: بطبعي لا أميل إلى الصخب أو الخروج مع الأصدقاء، ويبقى الكتاب خير صديق، أستقي منه المعلومات تارة وأعيش معه في الأحلام تارة أخرى .

اهتمامات مرضية

يقول الدكتور خليل فاضل استشاري الطب النفسي، زميل الكلية الملكية للطب النفسي بمدينة دبي الطبية، إن الهواية من أعظم الأشياء التي تساعد الإنسان على العيش بطريقة سليمة، وتخرجه من الضغوط اليومية للتعليم أو العمل وخلافه . في المقابل، يؤكد أن الهواية بمفهومها المرضي تتجاوز تلك المعايير المبهجة والباعثة على الاسترخاء والاستمتاع، إلى حدود المرض والسيطرة على الإنسان . ويضيف: تلك التي تحول بيتها إلى بستان، قد تقضي حياتها بين الأحلام الوردية والألوان والروائح الجميلة، رافضة الواقع بكل ما فيه من أتربة وتلوث يستحيل للإنسان مع هذا التطور العيش من دون التعرض له، كما قد تصدم من خيانة صديق، لأنها دائما تعيش على توقع الجيد من العلاقات وليس العادي منها . وهذا الذي يضع السماعات في أذنيه يسمع الأغاني والموسيقا الصاخبة ليل نهار، قد يحاول الهرب من محيطه، أو ربما لا يجد من يفهمه، وهما قضيتان في منتهى الخطورة، إذ ينبغي عليه البحث عن شريك بين أهله أو أصدقائه، بعيداً عما يسمعه من أغنيات يسمعها وقت الطعام وأمام التلفاز .

ويشير إلى أن الرياضة بمفهومها الطبيعي من أفضل الهوايات التي يمكن للشباب من الجنسين الإقبال عليها للتخفيف من ضغوطهم ومنحهم السلام والهدوء النفسي . لكنها قد تتحول للخروج عن مفهومها في حال إقحامها في الحياة الاجتماعية للشخص، بأن ينسخ الشاب تسريحة نجم الكرة، ويمشي مشيته أو يلبس رقم قميصه طيلة الوقت .

ويعتبر فاضل الإنترنت أشد أنواع الهواية تأثيراً وتأثراً بين من يهوونه، ويمكثون الأيام أمام شاشته، حيث يمثل بمشاركات الصور والفيديو والأغاني، خطراً كبيراً في حال استعمله الشخص بإفراط، حيث يؤثر سلباً في حياته وماله ونفسيته وروحه، ويسهم في عزلته عن الآخرين، ويدمر حياته وعلاقاته الاجتماعية .

ويضيف استشاري الطب النفسي أن عالم الإنترنت بإبهاره اللحظي يزيد من السلوك الإدماني، وقد يشكل الإنترنت لهؤلاء المدمنين هروباً من عمل ممل، أو زواج تشوبه المشاكل، أو إخفاق واحباط واضطراب في المزاج . وقد يتصور البعض أن مدمن الإنترنت شخص خجول، لكن تدلنا الإحصاءات على أنه شخص ذكي وناجح، لكن يعاني حوالي نصفهم من الاكتئاب وثلثهم من التوتر والقلق وانخفاض الاعتبار الذاتي وقلة الثقة بالنفس .

وعن أخطار الإنترنت الذي يخترق الأسر ويدخلها عنوة بلا استئذان، ليهددنا في ديننا وحياتنا وتراثنا وأخلاقنا، وما هي الاحتياطات التي ينبغي إتخاذها، يوجه اختصاصي الطب النفسي النصائح التالية:

1- الوعي: الوعي بالمشكلة سلوك إيجابي يعد بداية مشجعة . إذا كنت تشك أنك أو من يهمك أمره، يقضي وقتاً طويلاً أمام الإنترنت، فصارحه، وإذا استمر فلا بد من اللجوء إلى طبيب .

2- الرقابة الداخلية على الإنترنت، بوضع برنامج معين، مع العلم أن أطفالاً في الثامنة يعرفون كيفية فك الشيفرات الآن . لكن على الأقل ضع حواجز لحماية بيتك وجهازك من تصفح المواقع الإباحية .

3- التنظيم: ليكن هناك وقت للتصفح ووقت للمذاكرة، وآخر للحوار الأسري، ووقت للانترنت .

4- حاول دفع المدمن إلى الانخراط في نشاطات اجتماعية أو رياضية حقيقية غير مملة، مثل ممارسة بعض التمارين الرياضية، أو الخروج في رحلات منتظمة إلى البر والبحر .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"