"اللحظة الشعرية" عند مبدعين إماراتيين

تقود إلى ضخّ المعنى والدلالة في الكتابة
05:09 صباحا
قراءة 7 دقائق

في معرض توصيفه للشعر يتحدث غاستون باشلار عن العلاقة الانطولوجية التي تربط بين اللحظتين الشعرية والميتافيزيقية، وهو يجعل لكل منهما مساراً زمنياً يختلف عن الآخر، كما يتبنى المفهوم البرجسوني في هذا الأمر، حيث يعتقد برجسون انه لا يمكن فهم الحرية من دون الزمان، فحرر الإنسان من الجمود ودفع به إلى المستقبل، واعتبر باشلار أن الزمان غير مستمر وأن صيرورة الانسان متقطعة، لكنّ باشلار ولكونه قارئاً نهماً للشعر، وشديد الاهتمام بالصورة على حساب البنية والتركيب اللغوي للشعر وحتى نظامه الايقاعي، يرى في الصورة انسياباً زمانياً جديداً يحققه الشعر كشرط لديمومته .

بهذا المعنى، فإن باشلار يصف القصيدة بأنها متحركة، ولا تقف عند حدود ترجمة الجمال الثابت او الصامت، بل يضاعف من تأسيساته الجديدة لبلورة لحظة انسانية تحمل كل قيم الجمال والعلم والسكينة .

بهذا المعنى يقف باشلار عند اللحظة الشعرية ويقرنها بالإلهام، الذي عبر عنه بول فاليري بقوله الشاعر الحقيقي يلهم ويجب في من يكتبها ان يتسلح بثقافة اجتماعية من نوع خاص، ذلك لأن الشعر يرتبط بعلاقة حميمة مع الأشياء من حوله، وهو معني باعادة اكتشاف هذه الاشياء وتبرير وجودها .

ولا تناقض بين الحلم واليقظة عند باشلار، ومن هنا فلا تناقض بين الوعي واللاوعي، وأيضاً بين الواقع واللاواقع، وبالعودة إلى تعبير ميتافيزيقي يرى ان الدهشة الشعرية لا تتحقق الا بهذا الاختراق الميتافيزيقي للحظة المشتركة، وتحويل الكون إلى لحظة إحساس عارم بالجمال .

من جهة أخرى، يتبنى باشلار مفاهيم عدة تفيد في توصيف اللحظة الشعرية، ومنها ما يستعيره من معجم بالدوين بما يفيد تأكيد الجمال الكوني والسعي لرؤية الجمال في كل شيء، كما يميل في الوقت نفسه إلى عدد من الصيغ الفلسفية، التي تؤكد ضرورة أن تكون القصيدة مفتاحاً للحظة الجديدة، وتفتح بالتالي سبيلاً للسعادة، وأن تعطينا انطباعاً بالشباب والفتوة، وان تدهشنا باستمرار حيث يقول إن القصيدة الحقيقية هي وظيفة لليقظة .

التحقيق التالي يتتبع اللحظة الشعرية لدى بعض الشعراء الإماراتيين .

الشاعر عبدالله الهدية وصف اللحظة الشعرية بأنها نوع من الجنون، لكنه الجنون الذي يتلامس مع العبقرية التي تبحث عن الدهشة، فالشاعر من وجهة نظر الهدية يعيش في هذه اللحظة حالتي الشعور واللاشعور، والعقل الواعي واللاوعي، كما انه يتماهى مع شيء مدهش يتجاوز ما هو عادي إلى ما لا يمكن توصيفه بالكلمات .

ومن واقع تجربته الشخصية يؤكد الهدية انه كثيراً ما تباغته مثل هذه اللحظات وهو ليس مهيئاً كما ينبغي للكتابة، سواء أثناء النهار أو حين يكون في اجتماع عام أو بين جماعة من الأصدقاء والزملاء الذين يشتركون في مناقشة أمر ما، فيندم كثيراً على ضياع هذه اللحظة، التي يسهم هو في ضياعها خوفاً من الحرج أو الانفصال عن المجموعة، وأحياناً ما تدهمه اللحظة ما قبل فترة النوم، وأحياناً يستثمرها فيكتب قصيدة جديدة، وفي مرات أخرى تغلبه شرارة النعاس فيقرر ان يتركها إلى اليوم الذي يليه، لكنها تذهب إلى غير رجعة وهكذا .

الشاعر أحمد العسم رأى أن اللحظة الشعرية هي بكل الأحوال لحظة آسرة، تأخذ الشاعر إلى حد الغيبوبة، هذه الغيبوبة كأنها الحد الذي ينتهي عنده الحلم، لكن سرعان ما يتم شحن الحلم من حيث هو حالة تقود إلى ضخ المعنى والدلالة في الكتابة .

وأكد العسم انه لا يستطيع ولا بأي صورة من الصور أن يتحكم في هذه اللحظة الشعرية، إلا إذا قرر سلفاً انه لا يود كتابة الشعر، وهذه اللحظة بالنسبة للعسم سرعان ما تأتي بطريقة مباغتة، وقد صادف ان واتته اللحظة مؤخراً فقال شعراً:

هذا ممشى العصر

حب وموت

وأكبر مثل حوت

لصوتك رمان

ولا صوتي تأسره توت .

هذه اللحظة اشبه بحالة صوفية نفسية تستلزم تركيزاً شديداً، وهي بمثابة فرصة ليغتنمها الشاعر ويستثمرها في كتابة الجديد .

الشاعر عبدالله السبب تحدث عن خيانة اللحظة الشعرية، وان هذا توصيف لا يتعلق باللحظة ذاتها بمقدار تعلقه بالشاعر الذي قد يهمل هذه اللحظة، فيغادرها إلى شأن آخر غير الشعر، وربما يتركها إلى مشروع قصيدة غير مكتملة، كما حصل معه في أحد الصباحات حين عاندته لحظة شعرية، فلم يتسن له ان يقبض بتلابيبها، فيما واتته لحظة أخرى، ساعدته في اكمال مشروع قصيدة كان دونها في مفكرته .

والشاعر عبدالله السبب مهتم إلى حد بعيد بتدوين المشاهدات والصور وكذلك الافكار التي تلاحقه في الطرقات وفي أماكن عديدة، وهو يؤكد على حمله مفكرة شخصية تساعده على التقاط مثل هذه الأفكار التي قد تكون نافعة في بدء قصيدة من نوع مختلف، قصيدة جديدة، احتاجت منه إلى مناسبة أطلقت شرارتها في لحظة مباغتة وآن قطافها، وعندها لا مفر من القسوة العذبة واللحظة الحرة التي تهطل شعراً مدراراً .

وهي عند خلود المعلا لحظة فتح للنوافذ والأقفال الموصدة ورفع الستائر، وتحدي العقول المتخلفة، هي لحظة حرية وانعتاق، لحظة قول لا تراعي سوى ما تمليه عليها ذاتها الشاعرة وبها تحقق هويتها ووجودها في الكون، متوجهة قدماً غير عابئة بما كان وما سيكون . تقول من قصيدة سماء تستحق المطر:

أمضي قُدُماً

غير آبهة بالنفوس القاحلة

هكذا أكشفني

أتبين ما تبقى من الجسد والذاكرة

أقرأني بصوت عال

أمرن حنجرتي على الشهيق

لأجتاز كسوف الذات

هكذا،

أكون أفضل مما مضى

وما سيمضي .

ويشبّه الشاعر احمد المطروشي اللحظة الشعرية بتلك الروح الحقيقية، هذه الروح التي هي بمثابة الخلاص التطهري الذي يسافرفيه العقل وكذلك الوجدان إلى لحظة مفارقة من التأمل والتركيز، ويصف المطروشي هذه اللحظة التي يعتبرها قصيرة بكل الاحوال بثورة البركان التي تهب فجأة لكنها سرعان ما تخمد، لكنها مع ذلك، توصل الانسان -الشاعر هنا- إلى قمة اليقظة في الكتابة .

ويؤكد المطروشي ان غاستون باشلار قد كتب عن هذه اللحظة حين وصفها باللحظة الميتافيزيقية او كأنها حركة فيزيائية تقود الجسد إلى مخاض عسير، وهو مخاض فلسفي أو على الأصح وجودي، واكد المطروشي انه يتشوق لهذه اللحظة ويبحث عنها لكي يتصالح معها او قل لكي يتوحد معها، كأن في هذا التصالح لحظة من العرفان الصوفي الذي يصل من خلاله المطروشي إلى مبتغاه .

وهو بكل تأكيد يحرص على استثمار هذه اللحظة وعدم إفلاتها، فهي زائر مباغت لكنه جميل وساحر بكل المقاييس، وهي لحظة تقتحم كلاً من الزمان والمكان، أما لحظة مغادرتها الجسد، فتمثل معاناة أكيدة، لكنها معاناة الباحث عن الحقيقة في مكان آخر يترجم من خلال الكتابة ومن خلال القصيدة في صورتها الجديدة والمصفّاة .

من جهته، قارب الشاعر جمال علي هذه اللحظة بعملية الاشتباك الذي تأخذ معها كلاً من العقل الباطن والعقل الواعي إلى افق آخر من الإحساس الذي تلتقي فيه المشاعر والأفكار والصور والخيالات المخزنة في ذاكرة المبدع فينتج من خلال هذه اللحظة شيء جديد، هذا الشيء قد يكون نتاج قلق يلتقي فيه الحاضر مع الماضي مع المستقبل ليشكل عصارة ذهنية، اشتبكت مع الذكرى أو الرائحة، وقد تكون أي شيء آخر يصعب توصيفه، أما خلاصته فهي بصمة الفنان والمبدع، سواء كان رساماً تشكيلياً أو قاصاً أو كاتباً في فنون المسرح أو شاعراً مهجوساً بالرؤيا والاكتشاف .

من جهة أخرى، يؤكد الشاعر ابراهيم الهاشمي انه في كثير من المرات وحين تدهمه اللحظة الشعرية وحين لا يكون مستعداً تماماً للشعر يدع اللحظة تذهب إلى غير رجعة، وفي مرات اخرى يغتنمتها، بل هو يميل إلى الاستغراق فيها وتوجيه دفتها إلى ما يريد من القول، وهو مثل كثير من الشعراء، لا يترك سانحة الا ويختبر حساسيتها في القصيدة، وفي هذا تأكيد على صعوبة المهمة الشعرية التي تتطلب أحياناً ما يشبه الصنعة والدربة حين الدخول في معمعة هذه اللحظة الاسرة والمباغتة في الآن نفسه .

مثل هذا الأمر يمكن استشفافه في عدد لا بأس به من قصائده التي تنطوي على اختبار لهذه الحساسية واستثمار للحظة كما ينبغي، ويقول فيها:

مساء الخير/ تعرفني/ وتعرف لجاجتي/ إلحاح السؤال/ كحائط مكلوم/ أو غافل محموم/ أمللتني؟/ جرح تململ في السؤال على مضض/ تداري وحشة الدنيا/ ودمعاً نافراً/ هل من لقاء؟/ هل نكون لبعضنا شيء نكون؟/ نغافل الفلوات/ نقبل بعضنا/ ملح هو اللقيا/ أريدك ها هنا/ بين الحشاشة واليقين/ زنبق أهديك/ رائحة المحبة/ أتحب أن أهواك وحدك/ هكذا/ يا سيد القلب الشجي .

وعي العالم

تدور معظم التنظيرات التي تتناول تفسير اللحظة الشعرية ما بين مصطلحات الوعي بالعالم او الانفصال عنه، ذلك لأنها في نهاية المطاف حالة غريبة يعيد فيها الشعر صياغة العالم وفق منظور جدلي يقارب بين الأنا والآخر من جهة، وبين المتخيل والعالم من جهة أخرى .

وفي السياق نفسه، فهي لحظة اكتشاف واستشراف تتقاطع فيها الحالة الوجودية مع الميتافيزيقية بكل ما تحمله من صور ودلالات وانزياحات، بحيث تعتبر اللغة مجرد وعاء وحاضن لبلورة تلك العلاقات الصوتية والفونيمية مروراً بانبثاق اللحظة المفارقة، وهي لحظة توليد الشعر الذي يستجلي ويؤسس لبناء علاقات أخرى، هذه العلاقات التي لا يمكن مقاربتها من دون وعي تام بمنطق الدلالة والرمز والأسطورة، ومن جهة أخرى ذلك الفضاء المفتوح على المضمر الذي لا يمكن تفسيره إلا باحالته على الباطن واللاوعي الذي يؤسس لمرحلة أخرى من النص لا يعود فيها مؤلفه مسؤولاً عنه بالمعنى المجازي للكلمة .

لقد قارب رولان بارت الأدب بشكل عام، ومنه الشعر بإحالته إلى منظومة غير محددة من الصفات، وقال ان مضامينه هي مضامين العلم عينه . ولا توجد، بكل تأكيد، مادة علمية واحدة لم يعالجها الأدب العالمي في لحظة من اللحظات: إن عالم العمل هو عالم كامل . ولما كان كذلك، فقد كان للأدب بالنسبة إلينا هذه العظمة التي تتجلى في نشأة الوحدة الكونية، والتي كان يتمتع بها الإغريقيون القدماء .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"