اتقاء الشبهات يحمي المسلم من الزلل

الشريعة وضعت خطوطاً فاصلة بين الحلال والحرام
01:46 صباحا
قراءة 6 دقائق

علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نحرص على الحلال ونتجنب كل ما فيه شبهة حرام، فالحرص على الحلال يجلب لنا رضوان الله عز وجل، واقتراف الحرام يلحق بنا أعظم الضرر في عقيدتنا وفي حياتنا المعيشية فالحرام كله مساوئ وخسائر . . والحلال الذي يحثنا على الالتزام به رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه واضح، والحرام الذي ينهانا عنه كذلك، فقد أوضحت لنا شريعة الإسلام ما هو حلال وما هو حرام . . لكن ما يقع في المنطقة الوسط بين الحلال والحرام . . كيف نتصرف حياله؟

هنا يوجهنا رسولنا الكريم إلى الأسلوب الأمثل في ذلك ويقول في الحديث الصحيح: إن الحلال بين وإن الحرام بيّن وبينهما متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب .

هذا الحديث الشريف كما يقول العلماء يناقش قضية الصراع بين الحلال والحرام، وأول مبدأ قرره الإسلام لتوضيح الخطوط الفاصلة بين الحلال والحرام أن الأصل في ما خلق الله من أشياء ومنافع هو الحل والإباحة، ولا حرام إلا ما ورد نص صحيح وصريح من الشارع بتحريمه .

وعلى ذلك فإن ما لم يرد نص صريح صحيح بحله أو حرمته فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وواجب المسلم أن يقف عند حدود الحلال والحرام ولا يتجاوزها .

تشريعات واضحة

وقوله صلى الله عليه وسلم: الحلال بيّن والحرام بيّن يشير- كما يقول د محمد الأحمدي أبو النور أستاذ السنة النبوية ووزير الأوقاف المصري الأسبق- إلى أن الإسلام في جميع تشريعاته واضح لا لبس فيه ولا غموض .وواجب المسلم أن يقف عند حدود الحلال والحرام التي جاءت واضحة صريحة فلا يحول الحلال إلى حرام أو العكس .

وقوله صلى الله عليه وسلم: وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس يوضح أن من رحمة الله بعباده أن أوجد هذه المشتبهات، وهي أمور ليست بواضحة الحل ولا الحرمة، لهذا لا يعرفها كثير من الناس، أما العلماء فيعرفونها ويبينون حكمها إما بنص أو قياس أو استصحاب فإذا تردد الشيء بين الحل والحرمة ولم يكن نصاً ولا إجماعاً اجتهد فيه المجتهد فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي فإذا ألحقه به صار حلالاً .

وقوله صلى الله عليه وسلم: فقد استبرأ لدينه وعرضه . أي استبرأ لدينه من الذم الشرعي ولعرضه من كلام الناس فيه .

وقوله صلى الله عليه وسلم: من وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام، أي ساقه فعل ما اشتبه حرمته إلى فعل الحرام المحض أو قارب أن يقع فيه، ومعنى هذا أن من كثرة تعاطيه الشبهات قد يقع في الحرام وإن لم يتعمده، وقد يأثم إن كان في تقصير أو معناه أن من يعتاد التساهل والجرأة على الوقوع في الشبهات جره ذلك إلى الوقوع في الحرام .

وقوله: كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه فيه تشبيه من يغشى الشبهات براع يرعى ما اشتبه حول أرض حماها الملك لما اشتبه فإنه لا يسلم من أن يرتع فيها .

وقوله صلى الله عليه وسلم: ألا إن لكل ملك حمى الحمى أماكن الرعي الخاصة بماشية الملك والتي لا يسمح بالاقتراب منها فضلاً عن الوقوع فيها .

وقوله صلى الله عليه وسلم: ألا إن حمى الله محارمه، المراد منه فعل المنهي عنه المحرم كالقتل والسرقة والزنا أو ترك المأمور به الواجب كالصلاة والزكاة والصيام وغيرها . وهذه هي محارم الله وهي حدوده التي يجب على المسلم الالتزام بها حتى لا يتعرض لغضب الله وسخطه قال تعالى: ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين .

ولما كانت الأعضاء تابعة للقلب في ما يريد وما لا يريد أكد صلى الله عليه وسلم أنه المضغة التي يترتب عليها صلاح الجسد وفساده فقال: ألا إن في الجسد مضغة إن صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب .

وأعظم ما يفسد القلب الجهل الذي يقع فيه الاعتقاد الفاسد والجرأة على الله بانتهاك محارمه، ويكفيه شرفاً أنه من بين أعضاء الجسم موضع نظر الرب قال صلى الله عليه وسلم: إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم .

وبعد فإن فطرة الله في الإنسان هي التي تحفزه على كل ما يصلح شأنه في معاشه ومعاده فقد زوده خالقه بالعقل يميز به بين الخير والشر وقدم له الدليل الذي يقيمه على الطريق السوي ويجنبه مزالق الهوى وكيد الشيطان . وهذا الدليل هو ما أشار إليه الله سبحانه بقوله: قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم .

رحمة بالإنسان

يقول الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية بجامعة الأزهر: من رحمة الله بالإنسان أنه بين له الحلال من الحرام، والطيب من الخبيث، وتكفل سبحانه بشأن التحليل والتحريم عن طريق الوحي الإلهي المعصوم، فقال سبحانه: ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وقامت السنة الشريفة مصدراً ثانياً للتشريع بجوار القرآن بتفصيل ما أجمل، وبيان ما يحتاج إلى توضيح، قال تعالى: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم . وقال تعالى أيضاً على لسان رسوله الكريم: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا .

والله سبحانه وتعالى لم يحرم على الإنسان شيئاً إلا رحمة به وحماية له من أضرار المحرمات، فالتحريم في الإسلام لا يأتي من باب التضييق والحرمان، ولكن التحريم يتبع الخبث والضرر . . فما كان خالص الضرر فهو حرام، وما كان خالص النفع فهو حلال، وما كان ضرره أكبر من نفعه فهو حرام، وما كان نفعه أكبر فهو حلال، وهذا ما صرح به القرآن الكريم في شأن الخمر والميسر: يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما .

والمسلم مطالب بالاستجابة الكاملة لما أمر الله سبحانه وتعالى بتجنبه والانصراف عنه، وليس من اللازم أن يكون المسلم على علم تفصيلي بالخبث أو الضرر الذي حرم الله من أجله شيئاً من الأشياء، فقد لا ينكشف خبث الشيء في عصر، ويتجلى في عصر لاحق، وعلى المؤمن أن يقول دائماً سمعنا وأطعنا .

احتياط المسلم لدينه

ثم ينتقل الحديث بعد ذلك إلى بيان الأمور المشتبهة وبينهما متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس أي أن بين الحلال والحرام أموراً مشتبهاً على كثير من الناس حكمها فلا يقطعون فيها برأي أتكون من الحلال أم لا؟ والسبب في هذا، أنه يتنازعها دليل الحل فيظن أنها حلال، ودليل الحرمة فيظن أنها حرام من جهة عموم الأدلة .

وهذه الأمور كما يقول د . محمد رأفت عثمان أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر ينبغي على المسلم أن يسأل بشأنها الراسخين في العلم الذين أوتوا بصيرة مستنيرة وعقلية علمية راجحة ولديهم القدرة على الجمع بين الأدلة التي ظاهرها التعارض . . يقول الحق سبحانه: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم . . أما إذا اختلفت آراء العلماء فيها، فعلى المسلم أن يحتاط لدينه فيتوقف عن هذه الأمور، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه . أي أن من حذر الشبهات وتوقى الاقتراب من مواطنها فقد طلب البراءة وحصل عليها، فحافظ على دينه من النقص، وعلى عرضه من الطعن فيه، وبهذا يفهم أن من اقترب من هذه الأمور يتعرض للطعن فيه، فعلى المسلم أن يحافظ على أمور دينه ومروءته .

ثم يبين الحديث بعد ذلك مغبة ما يؤول إليه أمر هذه الأمور المشتبهة، بأن من وقع فيها وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، فإن فعل الشبهات يقرب من الحرام، لأن الكثرة منها تجعل صاحبها يصادف الحرام دون أن يشعر أو أن كثرة تعاطي الشبهات والتساهل في أمرها تجعله يجرؤ على الوقوع في الحرام .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"