وقد استطاع الإسلام بعدله وإنصافه أن يقيم مجتمعا مستقراً ناهضاً تفرغ أفراده للعمل والإنتاج بعد أن شعروا بالعدل في ظل سيادة تشريع سماوي لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا وتحدث عنها، وأوضح موقفه منها، وأوجد لها حكماً يحقق مصلحة الإنسان، ويراعي المصلحة العامة، ويبتغي العدل والإنصاف بين الناس، فلا مصلحة لأحد على حساب مصالح الآخرين، ولا إنصاف لفرد أو جماعة يلحق ظلماً بآخرين، ولذلك عرفت التشريعات الإسلامية بالواقعية والشمول، فضلاً عن العدالة والحرص على مصالح كل الناس .
فكيف استطاع الإسلام بما قرره من تشريعات عادلة وقوانين ضابطة لحياة الناس وعلاقاتهم إقامة مجتمع مستقر، يتفرغ أبناؤه للعمل والإنتاج وبناء الدولة القوية؟ وكيف تحقق التعايش والتواصل بين الشعوب الإسلامية وغيرها من شعوب العالم على أسس عادلة، في ظل سيادة التشريعات الإسلامية؟ ولماذا تعاني مجتمعات عربية وإسلامية في الوقت الراهن اضطرابات ومشكلات حياتية، رغم ما يتوفر لها من مقومات الاستقرار والتقدم الحضاري؟
هذه التساؤلات وغيرها مما يتعلق بمنظومة الإسلام التشريعية التي تحقق مجتمع العدل والرخاء والاستقرار نحاول الإجابة عنها من خلال السطور التالية:
في البداية يؤكد أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الإسكندرية، د . محمد كمال إمام، أن شريعة الإسلام ضبطت سير الحياة ضبطاً حكيماً، ونظمت العلاقة بين كل أفراد المجتمع من خلال تشريعات عادلة شهد بعظمتها وشمولها وواقعيتها كل خبراء وأساتذة القانون في العالم، فالشريعة الإسلامية لم تترك صغيرة ولا كبيرة إلا وتحدثت عنها وأوجدت لها حكماً موضوعياً يحقق مصلحة الإنسان . وهذا ليس بغريب على شريعة أحكامها وتعاليمها واضحة، وأهدافها سامية، ومقاصدها عليا، يحددها الشارع الحكيم وليس أحداً من الناس . وهي تستهدف مصالح دنيوية للإنسان، إلى جانب مقاصدها الأخروية، وهذه الفوائد والمكاسب يعرفها كثير من الناس .
معاملات عادلة
ويضيف: العبادات لها أهداف ومكاسب وفوائد، والمعاملات لها أيضاً أهدافها ومقاصدها التي يبينها العلماء لعامة المسلمين وخاصتهم، ومن أبرز هذه الأهداف أن تقوم المعاملات بين الناس على أساس العدل الذي قامت به السماوات والأرض، فلا تحيز لغني ضد فقير، ولا محاباة لقوي على ضعيف، ولا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى .
يقول د . إمام: استطاع الإسلام بمنظومته القانونية العادلة أن يحقق الاستقرار على الأرض، والعدل والاستقرار النفسي والاجتماعي من أكبر دوافع النهضة والتقدم، فالإنسان يبني وينتج بكفاءة عندما يدرك أن حقوقه مصونة، وجهده لن يضيع سدى، وتعامله مع الآخرين تضبطه موازين الحق والعدل . وهذا ما نجحت شريعة الإسلام في تحقيقه على الأرض، عندما طبقت تطبيقاً صحيحاً في عصر ازدهار الحضارة الإسلامية، حيث أقامت المعاملات بين الناس على العدل، وهذا بدوره أدى إلى إشاعة روح الإخاء بين الناس ومد جسور الثقة والتفاهم فيما بينهم، وإزالة أسباب الخصام والنزاع، وذلك بتحديد الحقوق والواجبات، ومنع الظلم والغرر والجهالات، وبذلك أعطت الشريعة الإسلامية كل ذي حق حقه، فكان طبيعياً أن تطمئن النفس وتصان الحرمات والدماء والأغراض والأموال ويعيش الناس جميعاً في أمان .
وتشريعات الإسلام تستهدف - كما يوضح د . إمام - المحافظة على مصالح الناس، وهذه المصالح متفاوتة ومتدرجة وتبدأ بالضروريات التي لا يستطيع الإنسان أن يعيش من دونها، ثم تأتي "الحاجيات" التي من دونها يكون الإنسان في حرج وضيق، ثم تأتي "التحسينيات" التي بها تكتمل حياة الرفاهية للإنسان .
حماية للجميع
أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر وعميد كلية الدراسات العليا بها، د . عبد الله النجار، يؤكد أن الإسلام استطاع بمنظومته التشريعية أن يحقق العدل بين الناس، وأن يوفر الحماية للجميع من جميع أشكال الإجرام والانحراف السلوكي التي عرفتها المجتمعات الإنسانية، ولذلك عاش المسلم وغير المسلم في أمان وطمأنينة في ظل هذه الحماية التي وفرت الأمن، وشهدت المجتمعات التي التزمت بأحكامها وآدابها وأخلاقياتها أماناً ما بعده أمان، ونهضة حقيقية لأن الجميع اتجه إلى العمل والإنتاج، ولم ينشغل بحماية حياته أو ممتلكاته، أو البحث عن حقوقه .
ويرى أن العودة إلى تشريعات الإسلام العادلة توفر للمسلمين في عالم اليوم مناخاً دافعاً للتقدم، ففي ظل أحكام عادلة وتشريعات مثالية وعقوبات رادعة لكل الجرائم والانحرافات التي تهدد أمن المجتمع واستقراره، سيعمل الجميع وينتج، وينضبط ويتفوق، ويتفانى في خدمة المجتمع، ويسهم في رقيه وتقدمه .
ويؤكد د .النجار أن الإسلام بمنهجه التشريعي المحكم شرع ما يقيم العدل، وكفل من الأحكام ما يضمن له التطبيق والاحترام في كل ظرف وحال، وفي كل زمان ومكان، ومع جميع الأشخاص والأجناس، وحرم الإخلال بها حتى مع الأعداء . ولذلك حظيت حضارة الإسلام بسمعة رائعة بين أمم الأرض، لأنها لم تقتل ولم تظلم ولم تهدر حقوق الآخرين، ولم تغتصب أرضاً، أو تدمر أو تخرب كما فعلت دول كبرى تتمسح بالرقي الحضاري وهو منها بريء .
من صفات الكمال
ويوضح أستاذ الشريعة الإسلامية بالأزهر أن الإسلام نشر العدل على كل المستويات، فالدولة يجب أن تلتزم به، وتعمل على تحقيقه بين كل رعاياها، والعدل من القيم والأخلاق الإسلامية الرفيعة التي لا ينبغي أن تفارق المسلم في كل سلوكه ومعاملاته مع الآخرين وفي كل شؤون حياته العامة والخاصة، كما أنه من الأصول التي تقوم عليها شريعتنا الإسلامية . . ويقول: العدل يحمل كل معاني الحق والصدق والإنصاف والنظام والاستقامة وغيرها من المعاني ما يجعله من صفات الكمال التي يتصف بها رب العزة، ويأمر عباده بأن ينظموا سلوكهم على أساسه، ويطبقوه في كل مجال من مجالات الحياة، فبالعدل والإنصاف والمساواة بين الناس في كل ما تجب فيه المساواة تنتظم حياتهم ويسعد الجميع بتبادل المنافع التي أحلها الله فيما بينهم .
لكن رغم حرص الإسلام على كل ما يحقق العدل على كل المستويات، فإن مظاهر الظلم وعدم الإنصاف قد شاعت بين المسلمين في عالم اليوم، ما أدى إلى مشكلات وقلاقل يعانيها العديد من البلاد الإسلامية، خاصة بعد أن أهدرت حقوق كثيرين في الحصول على الوظيفة المناسبة لهم نتيجة الوساطة والمحسوبية، وضاعت حقوق آخرين في الترقي وتولي ما يستحقون من مناصب ومواقع قيادية، وقفز آخرين واستيلائهم على ما لا يستحقون نتيجة شيوع رذيلة النفاق، وفي ظل هذا المناخ لا يمكن لمجتمع أن يستقر، أو ينهض ويتقدم .
وهنا يحذر د . النجار من التغييب المتعمد لقيمة العدل عن حياة المسلمين، ويؤكد أن الشعور بالظلم من شأنه أن يدفع المظلومين إلى تدمير كل ما يحيط بهم، ويقول: لو أمعنا النظر في ما أصاب العديد من بلادنا العربية من مشكلات وقلاقل سياسية واقتصادية وأمنية، وأشاع فيها الفوضى والعنف لوجدنا دوافع ذلك تتركز في وقوع ظلم أو ادعاء الظلم، وهذا يؤكد أن غياب قيمة العدل عن حياتنا يلحق بنا المصائب والكوارث، فالمجتمعات التي يسود فيها الظلم لا يمكن أن تستقر ولا أن تنعم بالأمان، لأن ثورات المظلومين لن تتوقف ورغبتهم في الانتقام لن تحدها حدود . . وهذا ما حدث في العديد من الدول العربية خلال الشهور الماضية، حيث انتفضت هذه الشعوب ضد الظلم والفساد وأسقطت أنظمة لم تقم للعدل وزناً، ودفعت ثمناً باهظاً لظلمها وجورها واستهتارها بهذه القيمة العظيمة التي توفر الأمن والاستقرار بين الناس وتنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم .