“الدعاء مخ العبادة”

22:19 مساء
قراءة 7 دقائق

ورد في تفسير الجلالين عن قوله تعالى: قُلْ مَا يَعْبَأُ بكُمْ رَبي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لزَاما (الفرقان: 77) أي: قُلْ يَا مُحَمَد لأَهْل مَكَة مَا نَافيَة يَعْبَأ يَكْتَرث بكُمْ رَبي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ إيَاهُ في الشَدَائد فَيَكْشفهَا وقَالَ الطبري: لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ إيَاهُ لتَعْبُدُوهُ وَتُطيعُوهُ.

وقال ابن كثير: أَيْ لَا يُبَالي وَلَا يَكْتَرث بكُمْ إذَا لَمْ تَعْبُدُوهُ فَإنَهُ إنَمَا خَلَقَ الْخَلْق ليَعْبُدُوهُ وَيُوَحدُوهُ وَيُسَبحُوهُ بُكْرَة وأصيلا.

وورد في الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم (الدعاء مخ العبادة) وفي رواية (الدعاء هو العبادة ).

ونفهم من ذلك أن الدعاء تعبير عن ايمان المسلم، واقراره بأن الله هو خالق كل شيء، وهو مالك كل شيء، ومنه كل نعمة يتمتع بها الإنسان، فإليه يتجه، ومنه يسأل، وبه يستعين، لذا كان الاستمرار على الدعاء تأكيدا على حقيقة مهمة في نفس الإنسان المسلم، وهي فقره إلى الله، وعدم استغنائه عنه: يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد (فاطر15) فتنمية الإحساس بالفقر إلى الله غاية تعبدية يستهدفها الدين بذاتها، ويتعبد الإنسان بها.

تصحيح الجنوح الأخلاقي

الا أن هذا المفهوم والإحساس بالفقر المطلق إلى الله لا يقف عند هذا الحد التعبدي، بل وتترشح منه آثار ومردودات أخلاقية، تساهم في تصحيح الجنوح الاخلاقي واقتلاع جذور الغرور والكبرياء من الأعماق الإنسانية، بإشعار الإنسان بفقره إلى الله سبحانه - مصدر الخير والعطاء في هذا الوجود - بما فيه من حياة، وموت، وصحة، وقوة، ومال، وسلطان، وعلم. وبغض النظر عن أجر الدعاء وثوابه، أو الاستجابة التي ينشدها فإن الدعاء إذا تجاوز اللسان والألفاظ، وتناغم القلب مع اللسان، واهتزت روح الإنسان مع هذا الدعاء، فسوف يشعر الإنسان بروحانية مقدسة هائلة، كما لو رأى نفسه غريقا في أمواج النور، يحس في تلك اللحظات بقداسة الطبيعة الإنسانية، ويدرك جيدا، كيف كان منحطا غبيا في اللحظات الأخرى التي يشغل نفسه فيها، بالأشياء والهموم الصغيرة، والتافهة، حيث يقلق من أجلها ويتألم.

إن الإنسان يحس بالذل، حين يطلب شيئا من غير الله، ولكن حين يطلبه من الله فسيشعر بالعزة ولذا كان الدعاء طلبا ومطلوبا، وسيلة وغاية، مقدمة ونتيجة، وأولياء الله لا يتلذذون بشيء كالدعاء، فإنهم يكشفون لدى محبوبهم الحقيقي كل طموحات وآمال قلوبهم ويهمهم الدعاء نفسه، والطلب والاحتياج أكثر مما تهمهم مطالبهم، وتحقيق آمالهم ولا يشعرون بالملل والتعب أبدا في تلك اللحظات.

طريق إلى الله

في قلب كل انسان طريق لله، وحتى أكثر البشر شقاء وانحطاطاً وعصياناً، يلتجئ إلى الله في ساعات المحن والشدائد، حين تضيق بوجهه الدنيا، وتغلق جميع الأبواب، وتسد كل الدروب، وهذه الحالة من الميول الفطرية الطبيعية المودعة في كيان الإنسان، ولكن تسترها أحيانا، حجب المعاصي وركام الذنوب، ولكن في المحن والأزمات تتكشف هذه الحجب والستائر، قليلا، ويتحرك ذلك الميل الفطري، ويتدفق.

ومن جملة ميولنا، ونزعاتنا الإنسانية السامية، الرغبة في معرفة الله، الميل للدعاء، والالتجاء لله، الذي لم نشاهده، تماما، كذلك الطفل، الذي خرج جديدا للحياة بالنسبة للثدي الذي لم يشاهده ولم يعرفه، والأم التي لم يشاهدها ولم يعرفها.

وبطبيعة الحال، لو لم يوجد الثدي والحليب الملائم لذلك الطفل. فإن الغريزة لا توجه الطفل باتجاه ذلك، فهناك علاقة وثيقة بين ذلك الميل وبين الغذاء وكذلك الأمر في سائر الميول البشرية، فلم يودع أي ميل عبثا، في وجود الإنسان، بل إن كل الرغبات والميول خلقت وفق الحاجات، ولأجل إشباع الحاجات.

ان الله بحكمته منع أشياء كثيرة عن الإنسان، وحال بينه وبين ما يريد لتبرز عظمة الله سبحانه وضعف الإنسان وحاجته إلى خالقه، ليعرف قدره، ويكتشف مصدر الفيض، وموضع الحاجة، فيتوجه اليه، ليبقى هذا التوجه والانشداد قائما في نفس الإنسان، ولئلا يحدث الانفصال المروع بينه وبين الله تعالى، مصدر الخير والوجود، وكلما ازداد انشداد الإنسان إلى الله تعمق احساسه بالانتصار على الحاجة، وتوالدت في نفسه مشاعر جديدة، هي مشاعر الاستغناء الذاتي بالله سبحانه، وتعزيز مكانة الإنسان بين عالم الأسباب والمقاصد المحيطة به، والتي تحاول الضغط عليه، والنيل من ارادته وقدرته على الانتصار عليها، وكلما تنامى في وعي الإنسان هذا الإحساس الإيماني العميق، تفتحت في نفسه آفاق انسانية خلاقة، وتولدت فيها مشاعر انسانية حية، تتفتح أبعادها عن مسارات وقيم حية رائدة، لم يكن ليحلم بها، لذلك ورد عن علي بن ابي طالب رضي الله عنه: (إن عند الله عز وجل منزلة لا تنال إلا بمسألة).

ولذلك أيضا جاء الحث على الدعاء وتأكيد المواظبة عليه بعناية بالغة على لسان الوحي، وفي سنن المصطفى وتوجيهاته وقد قال سبحانه وتعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون. (البقرة / 186)

وورد في الحديث الشريف: (أفضل العبادة الدعاء) و(أحب الأعمال إلى الله عز وجل في الأرض الدعاء).

حالتان للدعاء

الأولى: حين تنقطع كل الأسباب، وتغلق كل دروب الخلاص بوجهه ويصبح مضطرا للالتجاء إلى الله. والثانية: حين تتعالى وتسمو روحه، فسوف ينتزع نفسه، ويقطعها عن كل الأسباب والوسائل وبإرادته، لا أنه مضطر لذلك كالحالة الأولى.

وفي الحالة الأولى: حالة الاضطرار وانقطاع الأسباب بنفسها، يندفع الإنسان لله، مقهورا ولا يحتاج لدعوة خاصة، ومن الواضح أن هذه الحالة، لا تعد كمالا للنفس الإنسانية، ولكن الحالة الثانية كمال للنفس، حيث يسمو الإنسان باختياره، ويقطعها بإرادته عن كل الأسباب.

ومن المؤسف حقا ان كثيرا من الناس يعاني معضلة الفهم لقضية أساسية في الدعاء: وهي لماذا لا تستجاب كل الدعوات ولماذا يرد بعضها في أشد ظروف الإنسان محنة وحراجة؟

وللإجابة عن هذا السؤال، يجب أن نفهم: أن هناك شروطا ذاتية ترتبط بالإنسان الداعي، نفسه، وأخرى ربانية تتعلق بحكمة الله وعلمه بمصلحة الخلق، وثالثة موضوعية ترتبط بالأسباب والظروف الطبيعية للقضية التي يدعو الإنسان لتحقيقها، فهذه الشروط جميعا ذات علاقة وتأثير في إجابة الدعوة من قبل الله سبحانه، او عدم اجابتها، فليس كل ما يدعو به الإنسان هو الحقيقة التي يجب أن تكون وتتحقق في عالم الوجود لأن إرادة الإنسان ليست هي الارادة التي تسير العالم، ورغبته في حدوث الأشياء دائما لا تكشف عن حقيقة ما يجب أن يكون، وليس ضروريا أن تتطابق هذه الرغبة دائما مع منطق الخير وأهدافه المطوية في ضمير القدر، لذا فإن رغبة الإنسان وطلبه من الله سبحانه تحقيق أمنية، ليست كافية لتحقيق الشيء وايجاده، اذ لو جرت الأحداث والوقائع وفق رغبة الإنسان وأمانيه الذاتية لاختفى تأثير قوانين الوجود، وتوارى دور الإرادة والحكمة الإلهية، ولغاب دور الإنسان التكليفي، وانتهت مسؤوليته كقوة محركة في عالم الحوادث والأسباب، اذ كثيرا ما يدعو الإنسان لتحقيق شيء وهو لا يحسن تقدير نتائجه، ولا طبيعة آثاره في الحياة، وقد يلح بالطلب، ويرفع صوته بالضراعة والابتهال في التخلص من شيء، وهو لا يعلم ان مصلحته فيما يرفض، وخيره فيما يدعو الله للخلاص منه، فكل ذلك خاف على الإنسان، ومغيب عنه، لعدم قدرته على اختراق حجب الغيب، او الاطلاع على حقائق الأمور.

الأسباب والنتائج

إن تعامل الإنسان مع الاسباب والوسائل الطبيعية التي جعلها الله سبحانه سببا في تنظيم الحوادث وسير الامور يعني ان الإنسان عليه واجب ومسؤولية، عليه أن يؤديها اذا ما أراد انجاز شيء، ودعا الله سبحانه للاعانة على ذلك فقد جعل الله بحكمته علاقة بين الاشياء وأسبابها، ويأتي دور العون الإلهي في هذه الحالة متمثلا بتوفيق الله الإنسان لإصابة الأسباب الملائمة، وتأهيلها لإعطاء النتائج المرجوَة.

وهناك فرق كبير بين تلاوة الدعاء والدعاء الحقيقي، فإذا لم يواكب قلبه لسانه، ولم ينسجم معه، فلا يعد ما يدعو به، دعاء حقيقيا وجديا، فلا بد أن ينبثق الطلب والاحتياج، ويتدفق من أعماق الإنسان، بصورة جدية وحقيقية، ولا بد أن يبدو الاحتياج الحقيقي في كيان الإنسان كله.

إن الثقة بالله تعني الإيمان واليقين، الإيمان بالرحمة اللامتناهية لذات الباري، الإيمان بأنه تعالى لا يمنع فيضه أبدا ولا يبخل به على أحد، الايمان بأن باب الرحمة الإلهية لا يغلق على عبد أبدا، وأن النقص والقصور - إذا كان - فهو من جانب العبد نفسه، وفي الحديث (إذا دعوت فظن حاجتك بالباب) والإمام علي بن الحسين زين العابدين رضي الله عنهما، يخاطب الله تعالى: (اللهم إني أجد سبل المطالب إليك مشرعة، ومناهل الرجاء لديك مترعة، والاستعانة بفضلك لمن أملك مباحة، وأبواب الدعاء إليك للصارخين مفتوحة، وأعلم أنك للراجين بموضع إجابة، وللملهوفين بمرصد إغاثة وإن في اللهف إلى جودك والرضا بقضائك عوضا عن منع الباخلين، ومندوحة عما في أيدي المستأثرين، وان الراحل إليك قريب المسافة وإنك لا تحجب عن خلقك إلا أن تحجبهم الآمال دونك).

وَإذا سَألك عبادي عَني فإني قريبٌ أجيبُ دَعوةَ الدَاع إذا دَعان فَليَستَجيبُوا لي وَليُؤمنوا بي لَعَلّهم يَرشُدون.(البقرة 186).

الالتزام بالمنهاج الإلهي

منطوق هذه الآية ومفهومها صريح بأن إجابة الدعوة مرتبطة بالاستجابة لله والايمان به والاستجابة لله، تعني الالتزام بشريعته، وتنفيذ مقررات المنهاج الإلهي الذي هو مجموعة القوانين والاحكام الإلهية التي تسير الوجود الإنساني، وتنظم مساره وأحداثه، وختام الآية: (لعلهم يرشدون)، يكشف لنا بوضوح تام أن العون الإلهي هو ترشيد الإنسان وهدايته إلى أسباب نجاح دعوته، وإعانته على إنجازها، وبذا نعرف أن العون الإلهي يجبر العجز الإنساني، عندما يعجز الإنسان عن تحقيق ما يصبو إليه، حين تتوفر الشروط اللازمة للإجابة.

ويجب ألا يغيب عن أذهاننا أن مشيئة الله سبحانه هي النافذة، وإرادته هي الغالبة، وليس للاسباب والقوانين الطبيعية دور الحتمية إذا شاء الله سبحانه الاستجابة، وقضى بتنفيذ الامر: (إنَما أمرُهُ إذا أرادَ شَيئا أن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون). (يس: 82) وان الله يجيب دعوة الداعي إذا دعاه: (.. أمنْ يُجيبُ المضْطَر إذا دَعاهُ ويَكْشفُ السُوء...) (النمل: 62).

ومن المفيد هنا ونحن نتحدث عن موضوع استجابة الدعاء أن نذكر أن الدعوة إذا استوفت الشروط الذاتية والموضوعية، وحالت المصلحة والحكمة دون تعجيل الاجابة، فإن هذا الدعاء يدخر لصاحبه، كما ورد في الروايات ويخفف عنه بلاء لم يكن ليعلمه هو، ولم يفكر بالدعاء للخلاص منه، أو يعوض الداعي عن عدم إجابة دعوته بالثواب والمغفرة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"