اليوم مناسبة للفرح، اليوم يصل معرض الشارقة للكتاب إلى دورته الأربعين، وفي خلال تلك العقود الطويلة، هناك حكاية تروى، ودروس ذات مغزى، وأحلام تحققت، وآمال طاولت سماء المعرفة، وخلف كل ذلك هناك رؤية، وبالإضافة إلى هذا الزخم يوجد عمل دؤوب ونشاط لا يهدأ.
في حكاية المعرض الكثير من المحطات والمفاصل، والزوايا، رحلة طويلة بدأت بسيطة وحالمة، ولكنها كانت عميقة وخلفها إرادة صلبة وإيمان حقيقي بأهمية الثقافة، وها هي تصل إلى لحظة الحصاد، إلى مئات الآلاف من الكتب والعناوين، ومئات الأنشطة والفعاليات والندوات. في حكاية المعرض شغف بالعمل الثقافي، واحساس بأهمية القراءة، وإدراك لقيمة الكلمة. في حكاية المعرض عشق للمكان، حيث باتت الشارقة تعرف بالكتاب، وبات الكتاب نمط حياة في الشارقة، من هنا أهمية شعار المعرض «هنا..لك كتاب». في حكاية المعرض يلعب المكان دور البطولة..حازت الشارقة على لقب عاصمة الثقافة العربية، وفازت بلقب العاصمة العالمية للكتاب، وصار العالم كله يذكر الشارقة عندما يذكر الكتاب. في حكاية المعرض أيضاً زمن..بل أزمنة متجاورة ومتحاورة حيث تجد جميع الأفكار بين أروقة المعرض، لا إقصاء لرأي أو توجه، وتجد الأصالة بجوار المعاصرة، والماضي يمهد للمستقبل عبر الحاضر، وتجد أيضاً وجوهاً من كل الأعمار تنتمي لجميع الفئات والجنسيات والخلفيات والمنطلقات.
خلف الحكاية رجل عشق الكلمة المقروءة وأحب الكتاب، وآمن بأنه لا حياة بدون الكتب، بل إن الكتب تجعلنا نعيش حياة مضافة، بل حيوات عديدة، وآمن ثانية بأن نهضة العرب وعودتهم إلى موقعهم المستحق في العالم لن يكون إلا عبر الثقافة، فنحن أمة تأسست حضارتها على الكلمة، وآمن أيضاً بأن نجاة العقل وإرساء الأخلاق ومواجهة التشدد في الفكر والسلوك لن يكون إلا بالكتاب..هي رؤية متدرجة من الإنساني إلى القومي إلى الواقعي، وظل يترجم إيمانه إلى عمل وفعل، حتى وصلنا إلى كل هذا النجاح الذي نعيشه اليوم. لم يترك صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة أي مجال ثقافي إلا ودعمه بقوة: المسرح، الشعر، التشكيل... ولكن يبقى الكتاب في القلب والعقل، يبقى الكتاب ركيزة أي فعل معرفي، يبقى الكتاب أساس الرؤية وبطل حكاية الشارقة التي شغف جميع سكانها بالقراءة.
«كان يا ما كان» هناك إمارة توزع الكتاب على السكان، تتيحه للجميع، ولا تترك ابتكاراً من شأنه أن يرتقي بالكتاب إلا وتأخذ به، تضعه في أيدي الأطفال، وتشجع اليافعين على القراءة، وتمنحه للأسر، تضعه في المقاهي وعلى الشواطئ وتتجول به في حافلات خاصة، لو تكلم الكتاب بلسان مبين لقص علينا تلك الحكاية، لأمتعنا ببدايتها ولحظات تصاعدها، ولتكلم عن أهميتها ونتائجها، ولكنه سيحفظها بالتأكيد في الفصل الخاص بالتاريخ، أما في فصل الجغرافيا فسيحكي الكتاب عن معرض الشارقة الذي بات حاضراً بقوة في معارض العالم كلها، فالثقافة قوتنا الناعمة ومن خلالها نقول للجميع «نحن هنا»، وسيمسك الكتاب بالقلم ليخط فصولاً أخرى عديدة عن رؤية الشارقة للكتاب ودوره في السلام بين البشر، وأهميته الحضارية.
لن تنتهي الحكاية عند هذا الحد، وهل من نهاية للكتاب؟، سيظل الكتاب طالما كانت هناك حضارة، وستظل الشارقة راعية الكتاب وبيته وحصنه والمكان الذي يمنحه دور البطولة في الحياة.
لنحتفل اليوم بأربعة عقود من معرض الشارقة الدولي للكتاب، ولنتذكر أنفسنا نحن القراء، فلكل منا قصته بل قصصه مع الكتاب، الذي وهب بدوره كل قارئ حكاية خاصة يجد فيها متعة و راحة وطمأنينة وسكينة ولحظات من التأمل ودقائق من الصفاء وساعات من الوعي بالذات والآخر والكون، ولنحيي ونحن نتذكر قصصنا أو نتأمل في حياتنا- كتابنا، ذلك الرجل.. الحاكم المستنير الذي منح الكتاب دور البطولة في الحياة.
"الخليج" الثقافي