غدت تكنولوجيا الفضاء مندمجة في نسيج حياتنا اليومية إلى درجة أننا لا نوليها أي اهتمام بل لا نكاد نعي أنها ناجمة عن غزو الفضاء الذي ينظر إليه الكثيرون على أنه مضيعة للمال والجهد والوقت، واليوم غدت هذه التقنية موجودة في العديد من الأنشطة التي دخلت على العادات والتقاليد الحياتية .
ويقول الباحثون أننا نستفيد من تكنولوجيا الفضاء عندما نشاهد قنوات التلفزيون الفضائية، أو نتابع برنامج الأحوال والتنبؤات الجوية، أو للوصول إلى الإنترنت، أو للتحادث من خلال دائرة تلفزيونية مغلقة مع زملاء العمل، أو عندما نسير بالسيارة مع نظام الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية .
فضلاً عن ذلك فإن منتجات وخدمات البيانات التي تزودنا بصور الأقمار الاصطناعية باتت على نحو متزايد أدوات أساسية لتطبيقات تجارية متنوعة مثل الزراعة والثروة السمكية والتخطيط والاستكشاف الجيولوجي وإدارة المخاطر، بل إن الخرائط التي تشكل بسرعة عن طريق الأقمار الاصطناعية باتت ضرورية للأنشطة الإنسانية وأعمال الإغاثة في حالة الكوارث الطبيعية، علاوة على ذلك تستخدم المعلومات الجغرافية وتقنية تحديد المواقع والتوقيت عبر الأقمار الاصطناعية على نطاق واسع في العديد من القطاعات الاصطناعية والاستهلاكية المتنوعة كما نجدها في وسائل النقل العام، والطيران، والخدمات المصرفية وخدمات الطوارئ .
بات الفضاء أيضاً طرفاً أساسياً في السياق الاجتماعي والثقافي فالموارد الفضائية ، التي يمكن أن تولد وتنقل المعلومات على المستوى الإقليمي أو العالمي، غدت ضرورية لتطوير وتشغيل "مجتمع المعلومات"، وسد "الفجوة الرقمية" لربط المستخدمين البعيدين جغرافيا ضمن البنية التحتية لتواصل متكامل، هذه القدرة تحمل معها فوائد لا تعد ولا تحصى في مجالات متنوعة مثل التعلم الإلكتروني والتطبيب عن بعد .
ويرى الباحثون أن الفضاء هو محفز تكنولوجي خصب للغاية، ففوائده تعود على مجموعة واسعة من التطبيقات الصناعية والتجارية المهمة فعلى سبيل المثال تستفيد صناعة تقنيات البناء من التكنولوجيا المضادة للاهتزاز المستمدة من منصات الأقمار الاصطناعية والرادارات وتقنية الكشف عن الحرائق، وكذلك نجد أن الاستخدامات الجديدة لأشكال الطاقة "الأكثر خضرة" والأقل تلويثاً والمطبقة على هذه الأقمار باتت تلقى اهتمام شركات صناعة السيارات؛ كما أن الأدوات فائقة الحساسية المصممة أصلاً لتستخدم في الفضاء عدلت بشكل يجعلها تتكيف مع العاملين في المجال الطبي، فضلاً عن أن نتائج التجارب الفسيولوجية التي أجريت على رواد الفضاء (كالتنفس مثلا) ساهمت في تطوير التكنولوجيا الطبية .
ولا شك أن غزو الفضاء ساهم في تصميم وتصنيع المنسوجات والملابس، وخاصة بالنسبة لراحة وسلامة الأشخاص العاملين في البيئات القاسية، من خلال دمج مواد وتقنيات صممت أصلاً لتستخدم في الفضاء، وحتى على صعيد الرياضة نجد أن ثمة تبني للاختراعات الفضائية، كآليات تحقيق الاستقرار للزحافات الثلجية! هذه التطورات ليست سوى أمثلة قليلة من قائمة لا نهاية لها لتكنولوجيات نقلت بنجاح كبير من الفضاء إلى الأرض خاصة أن الفوائد لم تطل فقط المجتمع الذي باستطاعته اختيار أوسع عدد من المنتجات الجديدة ذات الموثوقية الكبيرة، ولكن أيضاً لفوائدها الاقتصادية الكبيرة في مجال التصنيع والخدمات .
وإذا كان غزو الفضاء بالنسبة لك يقتصر على إطلاق الأقمار الاصطناعية لتشغيل هاتفك الخليوي الخاص أو جهاز أل GPS فأنت مخطئ حيث حققت وكالة ناسا الأمريكية بفضل غزو الفضاء حسب التقديرات أكثر من 1600 ابتكار تكنولوجي في العديد من المجالات، بدءا من كاشف الدخان والوسادة الهوائية ومروراً بأجهزة الحفر اللاسلكية أو الألواح الشمسية .
ولنأخذ مثالاً على ذلك جهازاً نستخدمه كل يوم وهو الميكروويف الذي اخترع أثناء الحرب العالمية الثانية، فالميكروويف كان في الأصل راداراً، أدخلت عليه تعديلات في العام 1945 من قبل فريق من المهندسين الأمريكيين من أجل زيادة نطاق مداه، ولاحظ الباحثون حينها أن الأنابيب تطلق كمية كبيرة من الحرارة ما يجعلها كافية لتسخين اليدين، والسندويشات! وخطرت فكرة لأحد المهندسين وهو ستيفنز بوضع رأس من الذرة في أحد الأنابيب وكما توقع ستيفنز خرج رأس الذرة على شكل فشار! وهكذا اخترع أول مايكروويف وحصل على براءة الاختراع، في هذه الأثناء استخدمت ناسا نفس المبدأ لتسخين بزات رواد الفضاء، الأمر الذي جعل الميكروويف أكثر أماناً وأقل ضرراً على الصحة .
ومن الاختراعات التي وصلت إلى المحطة المدارية الدولية (ISS ) لتزويد الفريق العامل على متنها بالغذاء مقصورات تشبه بيوت الدفيئة التي تتم فيها زراعة الخضراوات والفاكهة، الهدف من هذه المقصورات تمكين رواد الفضاء من الحصول على غذاء طازج بدلاً من حمله وبالتالي تخفيف الحمولة وإثبات أن الخضراوات مثل الخس تنمو في الفضاء، الاختراع الثاني المهم هو أن رواد الفضاء لن يحملوا معهم كميات كبيرة من المياه لأنهم سوف يحملون جهازاً يعمل على تكرير البول وفصل مادة الأمونياك عن السائل وبالتالي يصبح الماء المتبقي صالحاً للشرب وهو ما سيمكن رواد الفضاء من الاستغناء عن المياه المحمولة على متن مركبات الفضاء خلال الرحلات الطويلة إلى المريخ مثلاً، خاصة أن 90% من وزن المركبة هو الماء، هذا الجهاز من اختراع باحثين من جامعة بورتوريكو بهدف استخدام مادة الأمونياك في الكهرباء على هيئة بطاريات .
اختراعات من وحي الفضاء
بشكل أعم، هذه سلسلة بسيطة من الاختراعات التي نجمت عن غزو الفضاء:
1- بطانية الانقاذ التي اخترعت في العام 1960 وكانت في البداية عبارة عن فيلم من البلاستيك المغطى بطبقة من الألمنيوم ( ميلر) وهي (بولي ايثيلين قوي وعازل) وكانت هذه البطانية مخصصة لرد موجات الراديو على القمر الصناعي إيكو - 1 .
2- النسيج المضاد للهب ودمج في بزات رواد الفضاء لحمايتهم من آثار الحرارة الناتجة عن الاشعاع الحراري الشمسي .
3- الوسادة هوائية المستخدمة في السيارات، اخترعت لتطويرعملية التسارع الفضائي في الوقت الذي كان فيه مصنعو السيارات يجرون تجاربهم لدمجها في السيارات .
4- التصوير الطبي، ساهمت عملية التقاط الصور بواسطة الأقمار الاصطناعية في تطور الصور الطبية مثل الرنين المغناطيسي .
5- مضخة مساعدة البطين، المستخدمة في القلوب الاصطناعية، مشتقة من مضخات الوقود المستخدمة في المركبات الفضائية .
6- مضخات الأنسولين: صممت اصلاً لبرنامج فايكنغ (لاستكشاف تربة المريخ في عام (1976) .
تت7- الأطراف الاصطناعية، صنعت من مواد مصممة للصواريخ وهو ما يساعد على التخفيف من وزنها وجعلها أسهل للعمل في العمليات الدقيقة .
8- الحفاضات، كان رواد الفضاء الأوائل يلبسون بزات تحوي مواداً ماصة لتلبية احتياجاتهم الطبيعية . لكن هذه المواد تم تكييفها فيما بعد للرضع .
9- المقالي المطلية بمانع الالتصاق، في البداية، كان القصد من مادة "التفلون" حماية الأقمار الصناعية من الصدمات في الفضاء؛ ففي الواقع، تسمح هذه المواد للعناصر الخارجية بالانزلاق ولكن سرعان ما تم تكييفها لتستخدم في المقالي .
10-المواد المركبة، بفضل هذه المواد، بات من الممكن أن تخفيف وزن الطائرات، والكراسي المتحركة، والصواريخ وإنتاج مواد أقوى بفضل السبائك .
11- مواد ذات ذاكرة شكلية، وهي مصنوعة من سبائك النيكل والتيتانيوم القادرة على العودة إلى حالتها الأصلية حسب درجة الحرارة، بعد تغيير شكلها، وبهذه الطريقة يمكن للمرء أن يصنع الدعامات وهي الأنابيب الصغيرة التي تنزلق في الشرايين لفتحها حيث يتم تقليص أقطارها قبل وضعها ومن ثم تتمدد في الشريان تحت تأثير حرارة الجسم (المبدأ هو نفسه بالنسبة لبعض المشابك الجراحية) . ويجري تطوير العديد من التطبيقات الأخرى في مختلف المجالات، مثل الملابس .
12- تطوير الأقمار الاصطناعية: من أجل الهواتف المتحركة العاملة بواسطتها وتوقعات الطقس عن طريق التغطية الكاملة في الوقت الحقيقي بالقرب من سطح الكوكب وغلافه الجوي فضلاً عن توجيه السيارات بتقنيةGPS ت ونقل قنوات البث التلفزيوني .