لن يجد المرء قصة ينطبق عليها قول القائل فتش عن المرأة خاصة عندما تتملك الحيرة البعض في قضايا بعينها أصدق من قصة ناقة الله لنبيه صالح عليه السلام .
وقصة الناقة رغم أنها معجزة أرسلها الله تعالى لتأييد نبيه ومواجهة عناد وكبر الكافرين . . فإنها شهدت تحالفاً غريباً وعجيباً بين قوى الكفر المعاندة ومكائد المرأة الشيطانية، أو بمعنى أدق وأكثر صحة . . النساء اللاتي غلبن الشيطان .
عرض القرآن الكريم لقصة الناقة في أكثر من سورة . . (الأعراف وهود والإسراء والشعراء والقمر والشمس) . . يقول تعالى: وإلى ثمود أخاهم صالحاً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آيةً فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم . (الأعراف 73)
فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين . (الأعراف 77)
ويا قوم هذه ناقة الله لكم آيةً فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب . (هود 64)
وآتينا ثمود الناقة مبصرةً فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً . (الإسراء 59)
قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم الشعراء 155 .
إنا مرسلوا الناقة فتنةً لهم فارتقبهم واصطبر . (القمر 27)
فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها . الشمس 13)
مكابرة وعناد
والحكاية باختصار أن عناد قوم صالح ورفضهم الاستجابة لدعوة نبيهم بلغ درجة عظيمة حتى إنهم تفننوا في طريقة تعجيزية له . . ظناً منهم أن بقدرتهم إحراجه حيث تفتق ذهنهم عن طلب غريب جداً . . فقالوا: يا صالح هل تستطيع أو يستطيع ربك أن يخرج لنا من هذه الصخرة، وأشاروا إليها، ناقة عظيمة؟ ونظر صالح متعجباً، ليس من الطلب ولكن من قدرتهم على العناد والمكابرة . . لأنه يعلم أنهم لا إيمان ولا عهود لهم، وأنه مهما يأتهم من آيات معجزات . . لن يؤمنوا . . ورغم ذلك حاول أن يأخذ عليهم المواثيق إن جاءهم بالآيات أن يؤمنوا . . لكن هيهات هيهات لقوم لا يؤمنون .
ويحاول علماء الآثار والتاريخ والجيولوجيا التعرف إلى الصخرة التي خرجت منها ناقة صالح ومعرفة أسرار المكان من خلال الآيات وما ذكره المفسرون وعلماء السير من وقائع وأحداث . . يذكر الدكتور منصور أبوشريعة العبادي، بجامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية، أن الوصف القرآني لمساكن قوم ثمود، أو ما سمي بمدائن صالح، جاء مطابقاً لما أظهرته الصور المأخوذة من (غوغل إرث) لهذه المساكن . . فمدائن صالح، كما وصفها القرآن الكريم، تقع في وادٍ واسع يمتد من الشمال إلى الجنوب ويبلغ أقصى عرض له ما يقرب من خمسة عشر كيلومتراً ثم يضيق وهو يتجه إلى الجنوب إلى أن يصل إلى أقل من كيلومتر، عند مدينة العلا التي تقع إلى الجنوب من المدائن على بعد عشرين كيلومتراً، ويحيط بهذا الوادي سلاسل جبلية شاهقة، ويصل ارتفاع السلسلة الغربية الشمالية من الوادي إلى ألف وخمسمئة متر عن سطح البحر، بينما يصل ارتفاع السلسلة الجنوبية الشرقية إلى ألف متر، أما ارتفاع أرض الوادي المنبسطة فيبلغ ثمانمئة متر عن سطح البحر .
وقدم د . العبادي عرضاً بالاستعانة بصور لغوغل إرث والمواصفات المذكورة في تفاسير القرآن الكريم للصخرة التي خرجت منها الناقة بتحديد مكان هذه الصخرة .
يقول: جاء في تفاسير القرآن الكريم أن الناقة التي أرسلها الله سبحانه وتعالى كآية إلى قوم ثمود قد خرجت من صخرة عظيمة . . وقد ذكر المفسرون أن ثمود اجتمعوا يوماً في ناديهم فجاءهم رسول الله صالح فدعاهم إلى الله وذكرهم وحذرهم ووعظهم وأمرهم، فقالوا له: إن أنت أخرجت لنا من هذه الصخرة وأشاروا إلى صخرة هناك ناقة من صفتها كيت وكيت، وذكروا أوصافاً سموها ونعتوها وتعنتوا فيها، وأن تكون عشراء، طويلة من صفتها كذا وكذا، فقال لهم النبي صالح: أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم على الوجه الذي طلبتم أتؤمنون بما جئتكم به وتصدقوني في ما أرسلت به؟
قالوا: نعم . . فأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك . . ثم قام إلى مصلاه فصلى لله عز وجل ما قدر له، ثم دعا ربه عز وجل أن يجيبهم إلى ما طلبوا . فأمر الله عز وجل تلك الصخرة أن تنفطر عن ناقة عظيمة عشراء على الوجه الذي طلبوا أو على الصفة التي نعتوا، فلما عاينوها كذلك رأوا أمراً عظيماً ومنظراً هائلاً وقدرة باهرة ودليلاً قاطعاً وبرهاناً ساطعاً، فآمن بعضهم منهم واستمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم .
عقر الناقة
روى الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه أنه قال: لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال: لا تسألوا الآيات وقد سألها قوم صالح فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج . . فعتوا عن أمر ربهم فعقروها . . فكانت تشرب ماءهم يوماً ويشربون لبنها يوماً، فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله عز وجل من تحت أديم السماء منهم إلا رجلاً واحداً كان في حرم الله عز وجل . . قيل من هو يا رسول الله؟ قال: هو أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه .
وعن مصير ابن ناقة صالح فقد أورد القرطبي في تفسيره: وجاء السقب، وهو ولدها، إلى الصخرة التي خرجت الناقة منها، فرغا ثلاثاً وانفجرت الصخرة فدخل فيها ويقال: إنه الدابة التي تخرج في آخر الزمان على الناس .
يبقى السؤال: ما علاقة النساء وكيدهن وفتنتهن بما فعله القوم بناقة الله إلى نبيه صالح؟ والجواب: قيل إن القوم ظلوا مترددين في تنفيذ ما اتفقوا عليه بشأن الناقة . . إلى أن قامت فيهم امرأتان خبيثتان، إحداهما اسمها صدوق ابنة المحيا، وكانت ذات حسب ومال فعرضت نفسها على رجل يقال له مصرع بن مهرج، إن هو عقر الناقة وذبحها .
وكان اسم الأخرى عنيزة بنت غنيم، وكانت عجوزًا كافرةً لها أربع بنات، فعرضت على رجل شقي خبيث أيضًا اسمه قدار بن سالف أي بناتها يختار إن هو عقر الناقة، فقبل هذان الشابان وسعيا في قومهم لأجل هذا الغرض الخبيث، فاستجاب لهم سبعة آخرون فصاروا تسعة، كما أخبر الله تبارك وتعالى بقوله: وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون (سورة النمل: 48)، فانطلق هؤلاء الرجال الخبثاء يرصدون الناقة، فلما صدرت من وردها رماها أحدهم وهو مصرع بسهم، وجاءت النساء يشجعن في قتلها فأسرع أشقاهم وهو قدار بن سالف فشد عليها بسيفه وكشف عن عرقوبها فخرت ساقطة إلى الأرض ميتة بعد أن طعنها في لبتها فنحرها، وأما فصيلها فصعد جبلاً منيعًا ثم دخل في صخرة وغاب فيها .
عاقبة وخيمة
روى البخاري ومسلم وأحمد بإسنادهم عن عبدالله بن زمعة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب وذكر الناقة والذي عقر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذ انبعث أشقاها انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في رهطه مثل أبي زمعة، وقوله عزيز أي قليل المثل، وعارم أي كثير الشراسة والشر، ومنيع: ذو منعة . وهذا مبلغ العناد والزيغ، فلقد رأى قوم صالح عليه السلام هذه المعجزة العظيمة، وهذا البرهان الصادق والدليل القاطع على نبوته وصدقه أمام أعينهم، ولكن حملهم الكفر والضلال والعناد وحب الدنيا على رفض الحق واعتناق الباطل، وكانت عاقبة هذا العناد والتكبر عن الحق وخيمة .
فقد أكد القرآن الكريم أنهم عذبوا بالرجفة والصيحة . . يقول تعالى ويا قوم هذه ناقة الله لكم آيةً فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب . فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب . فلما جاء أمرنا نجينا صالحًا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذٍ إن ربك هو القوي العزيز . وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين . كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمودا كفروا ربهم ألا بعداً لثمود (هود: 64 - 68) .
وعلى ما يبدو فإن الله تعالى أراد أن يري الناس عجائب قدرته فانبجس بركان من المكان نفسه الذي خرجت منه الناقة، كما يقول العلماء، حيث خرج جزء من الغازات المحبوسة منها محدثة صوتاً مدوياً لا يمكن لبشر أن يتحمله، وصدق الله العظيم القائل إنا أرسلنا عليهم صيحةً واحدةً فكانوا كهشيم المحتظر (القمر: 31) .