"التعليم" يسحب البساط من تحت أقدام التربية في المدارس

سلبية أولياء الأمور تضعهم في دائرة اتهام تراجعها
01:01 صباحا
قراءة 7 دقائق
تحقيق: جيهان شعيب

لطالما كان هناك قول دارج يردده الأجداد والآباء للأبناء حال تجاوز أي منهم حدود اللياقة في التعامل، أو التصرف، أو القول الطيب (الأدب فضلوه على العلم)، حيث الأدب منذ الأزل، وإلى الأبد سيظل المفتاح السحري لأعتى أبواب التعاملات حتى المستعصية منها، والمتحدث الرسمي المعبر عن صاحبه في أي مكان تحط أقدامه فيه .
وإذا كان الأدب مفضلاً على العلم في السلوكيات الإنسانية كافة، فالأحرى أن تكون المدرسة التي تحمل مسؤولية التربية والتعليم، هي الأساس في غرس أصول وأسس التربية في أذهان ونفوس الأبناء، ولا ترتكن فقط إلى فكرة التعليم، وتصدرها الأولوية على حساب التربية، التي - وللأسف - توارت إلى خلف الصورة، فكاد ألا يصبح لها وجود ملموس في كثير من المدارس، من منطلق أن التربية تعني غرس أدبيات التعامل الإيجابي الصحيح لدى الطلبة في تعاطيهم مع الآخرين، وتعزز فيهم السلوكيات القويمة والمبادئ الأصيلة، وتكرس في نفوسهم وعقولهم أسس الأدب المفروض، والاحترام، والكياسة، والود، والرفق، وتجنب التطاول، والتجاوز، والكذب، وما إلى غير ذلك مما لا يجوز ولا يجب .
حتى لا يعتقد البعض أن سالف قولنا يندرج في خانة الارتجال، ويحتسب على الفرضيات، سنطرح قليلاً من شواهد وقعت فعلاً وليس مجازاً، وتدل في مجملها على تراجع مبدأ التربية - المتصدر لفظة التعليم في مسمى الوزارة المعنية بهما - ومن ذلك ما يأتي:
دخل أحد المعلمين الفصل، وكان الطلبة في حالة ما من الهرج السابق بدء حصته، فدق بمسطرته على مكتبه موجهاً كلامه إليهم: إذا لم تهدأ أصواتكم في الحال، سأجعل حذائي يؤدبكم وأسركم نيابة عني! فأين التوجيه والتربية من مخاطبة معلم لطلبته بذلك؟
نأت لمعلم آخر، أفرغ اللغة من محتواها، وقصرها على أسماء الحيوانات في مخاطبته للطلاب، حيث وبدلاً من مناداة الطالب من هؤلاء باسمه، أصبح يخاطبه باسم حيوان من الحيوانات، بقصد الاحتقار، والإذلال، والتهميش، وفي تبريره لذلك، قال: يجب معاملة الطلاب بشدة وحدة، حتى لا ينسى أي منهم نفسه في التعامل مع المعلمين، في ضوء أنهم في مرحلة المراهقة، وكل منهم يريد أن يثبت رجولته، وبالتالي فلابد من كسر شوكتهم بالإذلال والاحتقار، حتى لا يفكرون في التطاول! فهل هذه هي التربية، وهل في هذا وعي بمتطلبات المرحلة العمرية التي يمر بها الأبناء، ومواكبتها بأساليب تربوية مدروسة؟

وأيضاً الطلبة

وإذا تحدثنا من جانب ثان عن ضياع الجانب التربوي في بعض المدارس، فهناك طلبة يتطلب حال واقعهم غير المنضبط، توجيههم، وتوعيتهم، في الوقت الذي ينفض فيه عدد من المعلمين يدهم من ذلك، تمريراً للأمر، وخشية التصعيد من جانب أسرة الطالب الذي تتم مراجعة سلوكه من جانب معلمه بشكل أو بآخر، بما يؤدي بهذا المعلم إلى تجنب التعرض لنتائج قد تترتب على ذلك، حفاظاً على لقمة العيش، أو لعدم اهتمامه من الأساس بفكرة تعديل سلوك طلابي معوج، في ضوء انشغاله بالضغوط المعيشية التي يعانيها، والالتزامات الأسرية المطالب بها، التي يعجزه ضعف راتبه عن الإيفاء بكثير منها، بما يجعله غير مكترث بفكرة التربية من الأساس .
ومن أمثلة ما أسلفنا، تلفظ بعض الطلبة داخل الفصول الدراسية، بألفاظ مرفوضة تدخل تحت طائلة المحاسبة القانونية أن رددت علناً في أي من الأماكن العامة، ولجوء عدد آخر منهم إلى إحداث جروح وندوب تحمل حروف أسماء ورسومات بالأمواس على أيديهم، من دون اهتمام من مشرفي ومعلمي المدرسة بذلك، إضافة إلى الاستهتار بمتابعة شرح المعلم، وإهمال أداء الواجبات المدرسية، واللامبالاة بالمعلم حين سؤاله هذا أو ذاك عن سبب التقاعس، وفي الوقت ذاته تراجع المعلم أيضاً عن اتخاذ إجراء من أي نوع مع الطالب من هؤلاء، في ضوء مبدأ ليحمل كل وزر عمله .
مدارس تفتقر إلى التربية، أوتعطي الأولوية للتعليم على حسابها، هذا ما نبحثه في التحقيق الآتي، للعودة إلى ما يجب أن يكون، أو ما كان، واندثر أو كاد، من تصدر التربية سابقاً المشهد التعليمي في مدارسنا، حيث سنسأل عما إذا كان من الممكن أن يكون هناك توجيه اجتماعي فاعل على المدارس؟ وعن الكيفية الواجبة للعودة بالتربية لتترأس هرم الأولويات في المدارس؟

التربية أولاً

نفى سعيد الكعبي رئيس مجلس الشارقة للتعليم أن يكون واقع حال كثير من المعلمين تحول إلى أن يلقنوا الطلبة فقط المواد الدراسية المقررة على حساب الدور التربوي الذي عليهم القيام به، وقال: الحقيقة نحن نهدف في المقام الأول إلى أن يكون الطلبة أصحاب شخصية سوية في التفكير، والتصرفات، والمهارات، والالتزام بالقيم الدينية، والوطنية، والموروث الشعبي، ولا يكفينا فقط أن يكون الطالب متفوقاً علمياً، لذا فكل من التربية والتعليم من الأهمية لدينا بمكان، وتحديداً التربية، حيث ما الفائدة إذا كان الطالب حاصلاً على أعلى الشهادات العلمية، ويفتقر إلى السلوك القويم؟
والسبب في تخطي عدد من المعلمين الأسلوب التربوي الواجب في التعامل مع الطلبة، يعود إلى البيئات التي تربوا فيها، والتي يتعامل أفرادها بألفاظ مرفوضة، فيما اللوم يقع على مدير المدرسة الذي يغفل مراقبة سلوكيات المعلمين مع الطلاب، ويقف على مدى قيامهم بدورهم التربوي معهم من عدمه، فيما لابد من تنظيم ورش للمعلمين لتنمية مهاراتهم في التعامل التربوي مع الطلاب، والاجتماع معهم دورياً، لتوعيتهم بأهمية التركيز في توجيه الطلاب على الأخلاقيات والقيم، ومتابعتهم، واستيعابهم، ويفترض كذلك أن يعرف كل مدير مدرسة ما إذا كان المعلم تربوياً في الأساس أم لا، فإذا لم يكن أهلاً لذلك فعليه ترك عمله .
وبشكل عام فهناك لائحة في وزارة التربية والتعليم، تتضمن عقوبات، قد تصل إلى حد فصل المعلم الذي يتجاوز الحدود الأخلاقية المنظمة لعمله، إلا أننا نؤكد أن أغلبية معلمينا ومعلماتنا هم أهل تربية .

إعداد المعلم

أما د . خالد المري رئيس مجلس أولياء أمور الطلاب في الشارقة فقال: بداية لا يمكن بحال من الأحوال عدم القول بأن نسبة تصل إلى نحو 90% من تفكير كثير من المعلمين تتركز في سبل توفير مستلزمات أسرهم المعيشية، و10% فقط تتعلق بالمدارس، والمهام التعليمية والتربوية الملقاة على عاتقهم، في ضوء ضعف رواتبهم الشهرية، ومن خلال تواصلنا مع الميدان التربوي، وتلمسنا لأوضاع المعلمين، نقلنا ذلك إلى حميد القطامي وزير التربية والتعليم خلال الملتقى التربوي الذي عقد منذ عامين، وطالبنا بضرورة الاهتمام بالمعلمين، وزيادة رواتبهم، ومكافآتهم، وترقياتهم، ليتمكنوا من سد احتياجاتهم، ولتوطين مهنة التدريس، وجعلها بيئة جاذبة للانضمام إليها .
وبالنسبة لإهمال بعض المدارس للجانب التربوي، فالأمر يتطلب إعادة إعداد المعلم من خلال الدورات المختلفة، والتأكيد على كونه ليس وسيلة إيصال معلومات، وأن الطلاب كذلك ليسوا بأجهزة تلقٍ، إذ من الضروري على المعلمين أن يستوعبوا المتغيرات التي تعتري المراحل السنية المختلفة للطلاب، والاختلافات في السلوك، والتحصيل، والاستيعاب، وكذا الالتزام من عدمه، وعليهم أن يغلبوا الجانب الإنساني والسلوكي في تعاملهم مع الطلبة، بتجنب السب، والتعنيف، والاعتماد على الحكمة، والإقناع بوعي ومنطقية، والحقيقة فالوزارة مدركة لمثل هذه الفجوة الموجودة في الميدان التربوي، وتعمل على إيجاد حلول لها خلال العام المقبل .
وعلى وزارة التربية والتعليم، وأولياء الأمور والمعلمين أيضاً إدراك التسارع التكنولوجي الحادث، الذي يعيشه الأبناء، والتعامل معهم وفق ذلك .

الأسر السبب

واعتمد إبراهيم عبيد اختصاصي النشاط المدرسي في منطقة الشارقة التعليمية على الصراحة في قوله: الحقيقة لقد اندثرت التربية في بعض المدارس إلى حد ما، بسبب عدم تفهم كثير من أولياء الأمور لدور المعلمين في التوجيه والتربية، حيث إذا شكى أي من الأبناء الطلبة معلمه إلى ولي أمره، تكاد القيامة أن تقوم، حيث يراجع ولي الأمر مسؤولي مدرسة ابنه غاضباً ومستنكراً فكرة أن يراجع المعلم ابنه، أو أن يعنفه على تقاعسه الدراسي، أو سلوكه غير المنضبط، وقد يقدم ولي الأمر شكوى رسمية أيضاً إلى المنطقة التعليمية، أو وزارة التربية، وبالتالي فهل يمكن أن يسهم مثل هذا التصرف من أولياء الأمور هؤلاء، في تصحيح سلوكيات الأبناء الجانحة، ويعمل على تعديل المعلم لها، وغرس أدبيات التعامل لديهم، أم سيأتي بمردود سلبي، من توغلهم في الاستهتار، واللامبالاة، والتطاول؟
وللأسف فبعض المعلمين كذلك يسهموا - من دون قصد- في عملية انحراف سلوك الطلاب، من خلال تعاملهم العنيف معهم، وتلفظهم بألفاظ جارحة، بعيدة كل البعد عن أدبيات التعامل الواجبة، عدا ذلك فلابد أيضاً من تفعيل ما ورد في لوائح الثواب والعقاب في وزارة التربية والتعليم، من فصل الطالب الذي يتعدى بالقول على معلمه، أو يرتكب أفعالاً مرفوضة من التغيب، والتسرب وخلافه، حتى يمكن إعادة الهيبة التي كانت للمعلم، والتي افتقدها، وبناء عليه أصبح غير مهتم سوى بالتدريس من دون التربية .
وللأسف فدور الاختصاصي الاجتماعي في المدارس الذي عليه متابعة العملية التربوية، أصبح مفقوداً، جراء تكليفه بأمور إدارية من متابعة قوائم حضور وغياب الطلاب، والإشراف على بعض المناشط المدرسية، من متابعة المقاصف، وغيرها، وبالتالي لم يعد مهتماً في ضوء ضيق الوقت، بمتابعة سلوكيات الطلبة داخل المدرسة وخارجها، وغير ذلك، لضمان تطبيق العملية التربوية على الوجه المطلوب .

فوزية غريب: ليست ظاهرة

قالت فوزية غريب وكيل مساعد في قطاع العمليات التربوية في وزارة التربية والتعليم: لا يمكن الجزم بتراجع الدور التربوي في المدارس، حيث لا توجد دراسة معينة، تم بناء عليها تحديد نسب في هذا الصدد، بما يؤدي بالتالي لاعتبارها ظاهرة مثلاً، عدا حالات فردية، تمثلت في ردود فعل سلبية من بعض المعلمين تجاه عدد من الطلبة، بما أدى إلى تقليدهم فيها، فيما وضعت الوزارة ميثاق المعلم، الذي يستند إلى أسس أخلاقية ومهنية، بحيث إذا خالف المعلم أهم السلوكيات في وظيفته يتعرض الى جزاءات وعقوبات .
وبالنسبة للطلاب فهناك لائحة الانضباط السلوكي، التي تنص على معاقبة المخطئ، وإثابة الملتزم، وبالتالي فهناك ضوابط للطرفين، فيما لدى الوزارة جهاز رقابي على المدارس، يقوم بتقييم مؤسسي لها من حيث الإدارة، والتحصيل والانضباط السلوكي للطلبة، وأداء المعلمين، عدا ذلك فمن ضمن مبادرات ومشروعات الوزارة لتعزيز الجانب التربوي، برنامجا التربية العسكرية، والثقافة الأمنية للطلاب، اللذان يكرسان الجانب التربوي والإرشادي لديهم، ويساهمان في تنمية السلوكيات الإيجابية فيهم .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"