اتسمت زياراتي للشارقة بالترفيه الفكري بنوعيه، فعند زيارة المتنزه وبحيرة خالد في الأعياد حين كنت صغيرة، أتخلى عن مسؤولية الدراسة، فأرفه عن فكري بالانطلاق، وعند حضور المحافل الثقافية حين نضجت، أرفه عن فكري بالاختزال. وهذا ليس قراراً شخصيا، بل نموذج سياحي فرضته علي طبيعة الشارقة الثقافية، التي اختارت أن تكون عاصمة للثقافة في الدولة، تصور توجه الشارقة الثقافي بإقامة أول معرض للكتاب في بداية الثمانينات، فحينها لم يكن هذا النوع من الأنشطة منتشراً في الدول العربية كانتشاره اليوم، بل إنه لم يكن معروفاً في دولة الإمارات.مع بزوغ أول معرض للكتاب في الشارقة في بداية الثمانينات من القرن الماضي، تزوجت أنا، وعلاقة زواجي بمعرض الكتاب قوية واستثنائية، لا، ليس لأني تزوجت المعرض، لكن لأني ببساطة استقللت ماديا عن والدي، وصار لي مصروف أكثر بكثير من مصروف المدرسة، أستطيع من خلاله خوض تجربة شراء كتب تخصني، لا أن أتصفح كتب خالي التي ينساها عندنا. لكن لأن زوجي لم يكن في البلاد أثناء الدورة الأولى للكتاب، وتنحى عن علاقته بنا في الدورات التي تلت تلك الدورة، لم أجد من يوصلني للشارقة، فلقد كنت تحت السن القانونية للسواقة بثلاث سنوات تقريبا، وأبي لا يسوق، ولا أمي طبعا، ولم يكن لدينا سائق، لأن مدارسنا كانت قريبة، وأبي كان يفضل أن يعبر لأخته من خور رأس الخيمة، وجدار بيتنا كان بجدار بيت جدي لأمي، وباب خالتي كان على بعد مئة متر من بابنا، لذلك كله لم يكن مهما لنا اقتناء سيارة، وفي خضم ذلك لم يأخذ والدي الرحلات البعيدة بالحسبان. وعليه فلقد كنت على وشك الحسرة في أول دورة للمعرض، لأني لم أكن جزءاً من ذلك المهرجان الكتبي، لكن المعرض فتح آفاقاً لإدارة مدرسة الصباحية للبنات برأس الخيمة، بأن نظمت معرضاً للكتاب فيها، كان الأول من نوعه في رأس الخيمة، مما أعطاني الفرصة بأن أشتري أول كتاب في حياتي، وللدقة أقول أول مجموعة كتب في حياتي، أنفقت عليها ما يقارب سبعمائة درهم، وكان هذا المبلغ كبيراً في ذلك الوقت، لكني كنت كالجائع النهم، الذي زاد نهمه حين وجد المائدة مملوءة ومتنوعة. لم تتكرر لي تلك الفرصة مرة أخرى، وكل عام أسمع عن معرض الشارقة للكتاب، أبكي لأمي أن تأخذني (فلقد كنت صغيرة حينها)، التي لبت رغبتي لأزور المعرض للمرة الأولى عام ،1985 حين صرت طالبة في الجامعة، أذكر أني اشتريت من المعرض، بالإضافة للكتب طبعا، معظم أشرطة عبدالحليم، كما أشترت أمي أشرطة للقرآن الكريم، الآن أتساءل عن سبب وجود كشك يبيع أشرطة في معرض للكتب؟وجودي خارج البلاد في أوائل التسعينات كان سبباً لأغيب عن المعرض، وفي أواخر التسعينات طالت غيبتي عنه بسبب التدريس بعيدا هناك في العين، حين انضممت لأسرة جامعة الإمارات عام ،1997 وأن كنت غبت عن المعرض فإني لم أغب عن الشارقة، فدربي للعين كان يمر من قلب الشارقة، وظللت أعبر خلالها حتى افتتح شارع الإمارات في بداية الألفية الثالثة، لكن حين أغلقت الزحمة شارع الإمارات، غيرت دربي، وصرت أروح وأغدو للجامعة من قلب الذيد، وقلصت روحاتي لدبي وأبوظبي للضرورة القصوى، وبذلك لم أعد أمر بكثرة على الشارقة، لكني مازلت أزورها في المناسبات الثقافية، بما أني كبرت جدا على الانطلاق.في زيارتي الأخيرة لمعرض الكتاب عام ،2002 وجدته مختلفا جدا عما كان عليه في الثمانينيات، فلقد صار لصالة اكسبو مبنى خاص بها، بعد أن كانت مجرد خيم كبيرة، وتغير اسم المعرض على المستوى الشعبي، من معرض اكسبو للكتاب، ليصير معرض الشارقة للكتاب، وصار له دليل وخريطة، من الدليل تستطيع أن تختار كتبك مسبقا، وتعرف طريقك إليها من الخريطة، التي توضح مواقع دور النشر، بدلاً من أن تتمشى عشوائيا في المعرض، كما كان الحال حين كان المعرض أصغر بعشرين مرة عنه اليوم قبل أكثر من عشرين عاماً.الغريب أني حتى في عام 2002 اشتريت كتبا بسبعمائة درهم أيضا، بالرغم من اختلاف أسعار الكتب بين الزمنين، وبالرغم من أن إمكاناتي المادية كانت تسمح لي بشراء كتب بأكثر من ذلك المبلغ بكثير، لكن السبب الذي منعني من الإسراف في اقتناء المزيد منها، هو أن بعض الكتب التي وقع عليها اختياري من الدليل لم تكن متوفرة، ولأني لم أعد يانعة كما كنت في الثمانينات، قاعسني سني العجوز من البحث عن خيارات أخرى أثناء سيري في المعرض.