إنقاذاً للأرض لا للتفاوض

00:37 صباحا
قراءة 4 دقائق

ارتضت الإدارة الأمريكية أن تصف تعنت تل أبيب بشأن الاستيطان، وتمسك هذه بمخططاتها التوسعية بأنه فشل للإدارة، وليس إفشالاً متعمداً لها من طرف نتنياهو وحكومته، وذلك كما رشح من مصادر متعددة الخميس الماضي 2 ديسمبر الجاري . هذه الطريقة في وصف الأمور وتشخيصها، ليست من قبيل الأداء الدبلوماسي فقط الذي ينحو للتمويه على الوقائع، ولكنها، أي هذه الطريقة، تعكس المقاربة السياسية للإدارة للصراع والتسوية في منطقتنا .

كانت الإدارة الديمقراطية في مقتبل عهدها قد أبدت النية على معالجة المسألة الشرق أوسطية بصورة فعالة ومنذ اليوم الأول، وبدا الرئيس الجديد أيامها وكأنما هو عازم على تجاوز الأسلوب، حتى السياسة التي اتبعها سدنة البيت الابيض السابقين، ثم بدا أن الإدارة على قدر من الجدية حين ناوأت الاستيطان واعتبرت تجميده ضمانة لإحياء المسار السلمي . غير أن هذه الإدارة لم تلبث ان انكفأت عن هذه المقاربة، واتخذت موقفاً تلفيقياً يقوم على وجوب استئناف التفاوض مع استمرار المساعي لتجميد الاستيطان . وها هو الأمر ينتهي بإعلان الإدارة في خطاب وجهته إلى السلطة الفلسطينية، عن فشلها في حمل القوة المحتلة على وقف، ولو مؤقت، للهجمة الاستيطانية، وكأن الامر يتعلق بمناقشة أكاديمية أخفق فيها أحد الطرفين بإقناع الآخر بوجهة نظره، من دون أن يترتب على هذا الإخفاق أي شيء خارج مائدة النقاش .

في هذه الأثناء يتواصل الاستيطان بصورة مكثفة، وخاصة في القدس وما حولها، ويدعو وزير خارجية الاحتلال ليبرمان إلى شطب عبارة تجميد الاستيطان والتوقف عن تداولها، والدعوة تتجه في المقام الأول إلى من يعنيهم الأمر: الجانب الفلسطيني والإدارة الأمريكية معاً .

يتمسك الفلسطينيون في المقابل بتجميد التفاوض رداً على رفض تجميد الاستيطان . وهو ما يشكل حرجاً لواشنطن التي راهنت منذ البداية على استئناف التفاوض، وعلى تأمين ظروف معقولة لاستئناف هذه العملية، خلافاً لما هو الحال مع تل ابيب التي يزعجها هذا الأمر، ويحرمها جزئياً من استخدام التفاوض للتغطية والتمويه على الاستيطان الكثيف، لكنه لا يثير قلقاً جدياً ولا يلحق أذى محسوساً بها . بل بوسع حكومة الاحتلال المضي في البروباغاندا، والزعم أن الفلسطينيين أوقفوا التفاوض، فماذا بوسع تل ابيب أن تفعل أمام هذه السلبية؟ تقوم بمواصلة الاستيطان .

لكن وفي جميع الاحوال فإن اليمين الأشد تطرفاً في تل أبيب يعتبر أن الاستيطان من الثوابت، وأنه شرط لتحقيق الحلم الصهيوني، وأنهم يقومون بالاستيطان على أرضهم فكل أرض يستولون عليها هي أرض لهم . يتعذر التفاوض وحتى الحوار مع هؤلاء اللصوص الذين أدمنوا اللصوصية . وقف التفاوض له ميزة مهمة وهو انه يكشف طبيعة المشكلة، ويضع التغول الصهيوني في دائرة الضوء، وهذا من قبيل جهاد الحد الأدنى .

ما بعد هذا المستوى من الاعتراض، فإنه من الأهمية بمكان التمسك باستراتيجية توسيع نطاق المعركة ضد الاستيطان، عدم الاقتصار على خوض حملة إعلامية ضده أو الاكتفاء بمعاتبة واشنطن . وهذه الأخيرة التزمت الصمت في الأيام الأخيرة حول هذا الملف، بعدما بات واضحاً ان الحليف في واشنطن يعمل على إفشال جهودها، وأنه لا يتعامل مع الولايات المتحدة كدولة عظمى .

أمام هذا فإن الخيارات ينبغي أن تكون واضحة، باستمرار التعاون مع واشنطن حول هذه المسألة، والتمسك في الوقت ذاته بخيار نقل ملف الاستيطان والتفاوض إلى مجلس الأمن، وهو ما يسبب حرجاً إضافياً لواشنطن، ويقلق تل أبيب بأكثر ما يقلقها وقف التفاوض ذاته . وسبق لنتنياهو أن أطلق تحذيرات ضد تدويل الأمر . والمهم في هذه الحالة هو تفادي تبديد المزيد من الوقت، والتسلح بدينامية أوضح وأكثر فعالية، بدلاً من الركون إلى سياسة انتظارية ساكنة . فالصراع يدور حول استعادة الأرض، وليس حول استئناف أو وقف التفاوض . والعدو يدرك ذلك للأسف وأحياناً بصورة أوضح مما هي عليه لدى ممثلي أصحاب الأرض، وهو ما يفسر السباق مع الزمن في مصادرة الأرض ونهبها والاستيطان عليها، وتكليف عتاة اليمين بإدارة المستوطنات، والتذرع بعدئذ أن هؤلاء يرفضون التخلي عن المستوطنات، وأن تل أبيب لن تندفع نحو حرب أهلية من أجل السلام .

الاستيطان لا يشكل خطورة على العملية التفاوضية، بقدر ما يحمل تهديداً جسيماً للمصير الوطني والقضية الوطنية برمتها . وتحسن السلطة الفلسطينية بإعادة تظهير خطاب مبدئي تحرري، يفيد أن الاستيطان هو احتلال مدني (صبغة مدنية لوجود مسلح) يردف الاحتلال العسكري، وأن كل الوجود الاستيطاني منذ عام 1967 هو وجود غير شرعي في القدس وفي جميع الأراضي المحتلة، لا اقتصار الحديث عن تجميد الاستيطان أو حتى وقفه لبضعة أشهر أو بضعة أيام . ليس مطلوباً ولا منطقياً أن يتحدث الجانب الفلسطيني كما يتحدث الأوروبيون والأمريكيون عن تجميد مؤقت لفترة قصيرة لغاية تسهيل إجراء المفاوضات، والانتقال من هذا الموقف المبدئي إلى دينامية سياسية ملموسة، فالصهاينة يشترون الوقت ويستثمرونه إلى أقصى الحدود، على مرأى ومسمع من أصحاب الأرض، وهو ما يملي رفع وتيرة الحركة الاعتراضية وتكثيفها كخيار لا غنى عنه .

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"