لأمر ما لا أعرفه، كانت قراءة الليلة الثانية من 2023 للأجزاء الثلاثة من رائعة الأرغواني إدوارد غاليانو: «ذاكرة النار»، قراءة بانورامية سريعة بالطبع؛ لأنها القراءة الثانية وربما الثالثة للكتاب.
كتاب تحمله معك إذا سافرت. ومعك إذا لم تخرج من البيت، ومعك إذا كنت وحيداً تبحث عن صوت أو حجر أو شجرة أو طائر. كل هذا موجود في «ذاكرة النار». من سِفر التكوين إلى قرن الريح الذي هو بالنسبة إلى غاليانو القرن العشرين. قرن الثورات والعبوديات والطغاة في أمريكا اللّاتينية. قرن الحربين العالميتين، وقرن الثورات الكاذبة والثوّار الكذّابين الذين تحوّلوا من الخنادق إلى الفنادق، وكان غاليانو يراقبهم في بلاده، وفي بلاد الآخرين، وباختصار إذا أردت أن تقرأ تاريخ أمريكا اللّاتينية غير الرسمي وغير ذلك التاريخ المحفوظ في علب وزارات الداخلية والدفاع، فاقرأ غاليانو، الصحفي ورسّام الكاريكاتير ولاعب كرة القدم الأكثر فشلاً في الأراغواي، كما يقول هو عن نفسه.
تاريخ أمريكا اللّاتينية برواية غاليانو تاريخ يستند إلى الوثائق، فهو ليس تاريخاً أدبياً كما قد يتبادر إلى قارئ الأجزاء الثلاثة من «ذاكرة النار»، لا بل هناك تواريخ ومدن ووقائع. هناك شهود عيان وروايات وأرشيف، ولكن كل ذلك بقلم أدبي، ولذلك، فمن يقرأ «ذاكرة النار» هو لا يقرأ تاريخاً وحسب، بل يقرأ شعراً، ورواية، وقصة، وأسطورة، ومسرحاً، ونثراً أدبياً، في آن واحد. في كتاب واحد.
جاء الجزء الأول من «ذاكرة النار» ترجمة: أُسامة إسبر بعنوان «سِفْر التكوين» يبدأ من العام 1492 (غواناهاني) إلى العام 1700 (مدريد)، ومن أجمل ما في هذا الجزء فصل بعنوان «الأصوات الأولى» ومنه هذه الفقرة عن اللغة: «نهض الأب الأول للكوارانيين في الظلمة التي أضاءتها تأمّلات قلبه وخلق اللهب والضباب الرقيق. خلق الحب ولم يكن يوجد أحد يقدمه إليه، وخلق اللغة، ولم يكن هناك أحد ليستمع إليه».
الجزء الثاني من «ذاكرة النار» جاء بعنوان «الوجوه والأقنعة» يبدأ من العام 1701 (وادي ساليناس) وحتى العام 1900 (مدينة تابي)، أي أن هذا الجزء يغطّي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر من تاريخ أمريكا اللّاتينية.
الجزء الثالث جاء بعنوان «قرن الرّيح» من العام 1900 (سان خوسيه دي غارسيا) وحتى 1986 (مونتفيديو). وممّا جاء فيه: «مرة أسرج نمراً وامتطاه ظاناً أنه حمار، مرة أخرى حزم بنطلونه بأفعى، لاحظ ذلك لأنه ليس لها إبزيم، صدق الجميع حين شرح أنه لا تستطيع أية طائرة أن تهبط إذا لم ترش حبّات الذرة على مدرج المطار».
[email protected]