والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم (يس: 39) .
يبين الله تعالى كمال قدرته وعزته وحكمته ورحمته بعباده حيث قدر القمر منازل فكل يوم له منزلة غير المنزلة الأخرى حتى يعود في آخر الشهر كما هو في أوله كالعرجون القديم . والعرجون هو غصن ثمر النخل لأنه إذا قدم يلتوي ويضعف وهكذا القمر فإنه يبدو في أول الشهر هلالاً ضعيفاً ثم ينمو شيئاً فشيئاً حتى يمتلئ نوراً في منتصف الشهر ثم يعود إلى النقصان شيئاً فشيئاً حتى يعود كعرجون النخل القديم ملتوياً ضعيفاً والله سبحانه وتعالى قدره هذه المنازل لنعلم بذلك عدد السنين والحساب ويتضح لنا الأمر كما قال الله عز وجل يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج (البقرة: 185) وفي تفسير البغوي والقمر قدرناه منازل أي: قدرنا له منازل فإذا صار القمر إلى آخر المنازل دق فذلك قوله: حتى عاد كالعرجون القديم والعرجون: عود العذق الذي عليه الشماريخ، فإذا قدم وعتق يبس وتقوس واصفر فشبه القمر في دقته وصفرته في آخر المنازل به .
والقديم: هو البالي لأنه إذا انقطع الثمر تقوس واصفر وتضاءل فأشبه صورة ما يواجه الأرض من ضوء القمر في آخر ليالي الشهر وفي أول ليلة منه، وتركيب عاد كالعرجون القديم صالح لصورة القمر في الليلة الأخيرة وهي التي يعقبها المحاق ولصورته في الليلة الأولى من الشهر وهو هلال .
والقمر هو الجرم السماوي الوحيد الذي هبط عليه البشر بأقدامهم وهو التابع الطبيعي الوحيد للكرة الأرضية فضلاً عن أنه خامس أكبر قمر طبيعي في المجموعة الشمسية ويعد أيضاً أكبر قمر طبيعي في المجموعة الشمسية من حيث نسبة حجمه إلى كوكبه التابع له على الرغم من أن شارون قمر بلوتو هو الأكبر نسبياً لكنه يعد تابعاً لكوكب قزم، حيث إن قطر القمر يبلغ ربع قطر الأرض، كما أن كتلته تصل إلى 1/81 من كتلة الأرض، هذا إضافة إلى أنه يعد ثاني أعلى قمر من ناحية الكثافة بعد القمر إيو أحد أقمار كوكب المشتري . ويتسم القمر الأرضي بحركته التزامنية مع كوكبه الأرض، عارضاً دائماً الوجه نفسه حيث يتميز الجانب القريب بمنطقة بركانية منخفضة مظلمة، ومرتفعات براقة وفوهات صدمية شاهقة . والقمر الأرضي هو أكثر جسم لامع في السماء ليلاً، بل هو الجسم الأكثر لمعاناً بعد الشمس على الرغم من أن سطحه معتم جداً، حيث إن له انعكاساً مماثلاً للفحم . ويبدو القمر أكبر عندما يكون قريباً من خط الأفق، لكن هذا بسبب تأثيرات نفسية وخدع بصرية معروفة باسم الوهم القمري والذي وصف لأول مرة في القرن السابع قبل الميلاد كما يبدو كذلك عندما يكون في منطقة الحضيض أقرب نقطة للأرض .
العلاقة مع الأرض
يدور القمر دورة واحدة حول الأرض كل 3 .27 يوم مقاسة بالنسبة إلى النجوم الثابتة في السماء . وفي الوقت نفسه تدور الأرض حول الشمس مما يجعل عودة القمر إلى طوره الذي يظهر فيه من الأرض تستغرق وقتاً أطول يبلغ 29،5 يوم وهو ما يسمى بالشهر القمري أو العربي لتفريقه عن الشهر الشمسي أو الغربي الذي مدته نحو 5 .30 يوم وهو مشتق من حركة الأرض حول الشمس التي تتم في اثني عشر شهراً شمسياً وتقدر بنحو 365 يوماً وهي السنة الشمسية أما السنة القمرية التي تعادل اثني عشر شهراً قمرياً فتقدر بنحو 354 يوماً .
ولو كانت الأرض لا تدور حول نفسها لرأينا القمر يسير ببطء زائد حتى إنه كان سيدور دورة واحدة فقط حول الأرض في مدة 5 .29 يوم ولكن حركة الأرض حول محورها تجعلنا لا نلحظ مقدار حركة القمر الصحيحة إلا إذا راقبناه يومياً في الوقت نفسه مثلاً عند الغروب فبمقدار ما يكون قد علا على الأفق يكون مقدار مسيره الحقيقي وبما أنه يتم دورته الكاملة في نحو 30 يوماً فإن غروبه يتأخر كل يوم عن اليوم السابق بمقدار ثلاثة أرباع الساعة كل يوم تقريباً .
وهذا الارتفاع التدريجي للقمر في كبد السماء باتجاه الشرق يوماً بعد يوم، يسمح له بأن يظهر بالتدريج نصفه المضيء الذي يستمد نوره من الشمس بالنسبة للأرض، والأرض بينها تقريباً، إلى أن يظهر بدراً كاملاً يطلع من الشرق عند المغرب . ثم بعد نصف الشهر ينتابه النقصان من جديد حتى يعود إلى المحاق، حيث يقع بين الشمس والأرض، ويكون وجهه المضيء تجاه الشمس، ووجهه المعتم تجاه الأرض .
وبشكل مخالف لأقمار بقية الكواكب الأخرى، يقع مدار القمر بشكل أقرب إلى مسار الشمس الظاهري من خط استواء الكوكب الرئيسي الأرض كما ويتشوش مدار القمر بتأثير كل من الأرض والشمس بطرق عدة وبشكل معقد .
ومن ناحية ثانية لا يدور القمر حول مركز ثقل الأرض تماماً وإنما يدور حول نقطة مركز ثقل النظام ككل وهي تبعد نحو 1700 كم عن سطح الأرض نحو ربع نصف قطر الأرض .
ولادة القمر
وربما يتساءل أحدنا: كيف يولد القمر؟ وكيف يتحول الهلال ليصبح بدراً؟ إن القمر أثناء دورانه حول الأرض يمر بوضعية ينطبق فيها ظاهرياً على الشمس، وهذا يوافق المحاق فإذا علا قليلاً عنها بالنسبة للناظر من الأرض قلنا إنه ولد لأن الجزء السفلي من وجهه المضيء يبدأ بالظهور . وفي هذه الحالة نحصل على الهلال على شكل حرف (ن) . لكن هذا لا يحدث إلا نادراً، وذلك عندما تقع الأرض والقمر والشمس على استقامة واحدة، وهي حالة كسوف الشمس . أما في الحالة العامة فيكون القمر منزاحاً إلى أحد جانبي الشمس . وفي بلادنا يكون منزاحاً إلى جهة يسار الناظر (جنوب) . فإذا صار القمر أثناء دورانه على خط أفقي واحد مع الشمس يكون في المحاق وبمجرد انزياحه عن هذه الوضعية وارتفاعه عن أفق الشمس، يبدأ طرفه المضيء بالظهور ونقول إن القمر قد ولد . ويكون شكل الهلال عندها مثل الحرف (ر) .
بيد أن العين البشرية لا تستطيع رؤية القمر بعد ولادته إذا كان عمره أكثر من ثماني ساعات، وذلك لشدة قربه من الشمس وتأثير ضوئها في درجة وضوحه . وبما أن ولادة القمر متعلقة برؤيته، فإذا التمسنا القمر عند غروب الشمس وكان عمره أكثر من ثماني ساعات واستطعنا رؤيته نقول إنه ولد شرعاً . وقد أشار سبحانه إلى هذه النعمة والمعجزة بقوله: هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون (يونس: 5) .