بدأ التونسيون عملية احتجاجات احتراماً لروح الشاب الجامعي الكادح محمد بوعزيزي، الذي أبدى احتجاجاً نارياً مضحياً بحياته . انطلقت الاحتجاجات على وقع النقمة والألم مع تشييع بوعزيزي إلى مثواه الأخير، ولم تلبث الاحتجاجات أن اتسع نطاقها، وإذا بها تتحول وقد انتشر عبيرها في الأرجاء إلى ثورة بريئة وعنيدة، لم تكن ربما في حُسبان المحتجين الساخطين .
لعل سحر التغيير التونسي يكمن هنا، فالمحتجون وجُلّهم من الشبان المهمشين، لم تكن لديهم مطامح ومتطلبات جذرية تتعلق بالسلطة، فقد كانوا يرومون التصويب والنزول عند المطالب الاجتماعية في بادئ الأمر، غير أنهم في لحظة ذروة غير متوقعة أفضت اليها أعمال القتل الدموي ظهيرة الجمعة 14 يناير/ كانون الثاني، هتفوا لأول مرة وبملء الفم أمام وزارة الداخلية في قلب العاصمة بخروج الرئيس بره . . بره، إذ أدركوا بالحس الفطري أن أعوان الحاكم وزبانيته هم من أطلقوا النار مجدداً على الأبرياء وأوقعوا نحو . . . . . ضحية في زهرة العمر .
سقط من سقط من الضحايا، وسرعان ما أخذ التغيير يرتسم في الأفق ويتسع مداه شيئاً فشيئاً وساعة بعد ساعة، وهو ما أدركه بعد ساعات حاكم قصر قرطاج، كما تيقن منه قادة الجيش المنحازين للشعب، فكان القرار بمغادرة الحاكم تحت جنح الظلام، وهو الذي كان سجل خطاباً ثالثاً متلفزاً ذهب إلى الأرشيف، وقد يتم بثه لاحقاً في إطار استعراض استعادي لوقائع الأحداث .
في الانقلابات التي شهدتها منطقتنا كان الإدعاء يرتفع بأن الشعب استجاب للانقلابيين العسكريين وبارك خطواتهم . في النموذج التونسي انعكست الآية: لقد استجاب الجيش لأشواق الشعب من دون مِنّة، ومن دون أن تكافئ المؤسسة العسكرية نفسها بالقفز إلى السلطة .
من دواعي الإعجاب أن قادة الجيش لم يظهروا على المسرح وتحت الأضواء، فقد انصرفوا إلى حماية التغيير، ومطاردة عصابات الأمن والداخلية التي تعيث فساداً، وعملوا على السيطرة على القصر الرئاسي متجنبين ما وسعهم ذلك إهراق الدماء، مؤثرين تحويل المشتبه فيهم إلى القضاء، وتركوا للقوى السياسية فرصة التدبير السياسي، بعد رفع الحظر عن سائر الأحزاب وإخلاء سبيل جميع الموقوفين السياسيين، وإطلاق الحريات الإعلامية، بما يوفر الفرصة لانتقال سلمي يحمي مصالح الناس، ويصون مرافق ومؤسسات الدولة باعتبارها دولة جميع التونسيين، لا دولة النظام الذي تداعى .
هذا يفسر عودة المطار للعمل بعد توقف استغرق يومين فقط، فيما نشطت مظاهر الحياة الأخرى، وقد لاحظ مراسل عربي زار تونس العاصمة بعد ثلاثة أيام على التغيير (الاثنين 17 يناير) أن المصارف سرعان ما استأنفت العمل وفتحت أبوابها للجمهور، رغم الحساسية التقليدية لهذه المؤسسات إزاء التوترات الأمنية . أما أعمال العنف والحرائق فقد ثبت أن المحتجين رغم انفعالاتهم الشديدة ورغم عدم تمتعهم بقيادة تجمعهم وتنظم صفوفهم وتضبط إيقاع تحركاتهم، لم يكونوا وراءها بل إن الفاعلين هم بقايا أجهزة وزارة الداخلية والأمن الرئاسي، وبدليل أنه لم يسجل على الاحتجاجات انتهاك للمؤسسات العامة أو الخاصة طيلة أسابيع الانتفاضة الأربعة، باستثناء حرق إطارات في الشوارع والضغط على بعض المراكز الأمنية، وخلافاً لما ورد في الخطاب الثاني والأخير لزين العابدين بن علي في حديثه عن عصابات منظمة وملثمة تقوم بأعمال إرهابية .
إلى جانب دور الجيش في حماية انتفاضة مدنية، فقد لعب الاتحاد التونسي للشغل دوراً حاسماً في دعم الانتفاضة، رغم أنه في الأساس لم يقم بإطلاقها . دعم النقابات انطلق من وفائها لوظيفتها الاجتماعية الاقتصادية . والانتفاضة كما بات معلوماً ذات جذر اجتماعي اقتصادي، وقد كان من الطبيعي أن تنفتح على أفق سياسي مع اتساع الاحتجاجات وتناميها، وخاصة مع وصولها إلى قلب العاصمة . ذلك يعيد إلى الأذهان ما حدث في بولندا بقيادة ليخ فاليسا في أواخر ثمانينات القرن الماضي، وما عرف حينها بانتفاضة عمال الموانئ، مع اختلاف بيّن يتمثل في أن النقابات العمالية والمهنية في تونس باركت الانتفاضة وانخرطت فيها، ولم تكن هي التي أطلقتها . أطلقها غير المؤطرين، فكيف للعاطلين عن العمل أن يتمتعوا بإطار نقابي . . إن انتفاضة هؤلاء كانت ترمي لضمان حقوق هؤلاء في فرص العمل ثم التأطير النقابي حالياً .
في محطات سابقة لعب الاتحاد التونسي دوراً مشهوداً في انتفاضات الخبز في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وهو ما أسهم في تسريع شيخوخة الحكم الذي قاده رجل تاريخي هو الحبيب بورقيبة وقد انقلب عليه رئيس وزرائه زين العابدين بن علي في نوفمبر 1987 محمولاً على مطالب شعبية بإطلاق التعددية ووقف احتكار الحكم . وقد نجح الرجل آنذاك في السنوات الثلاث الأولى في الإصغاء للمطالب الشعبية والاستجابة لها وتنفيذها، فلما حظي بمباركة شعبية معقولة، وبدا أنه اكتسب شرعية سياسية، سارع إلى الإمساك بحركة المجتمع بقبضة من حديد وأخذت دائرة الحكم تضيق شيئاً فشيئاً، وتنغلق على أصحاب الحظوة والامتيازات وقد سارعوا في مراكمتها وتعظيمها، مع ما يلزم من إجراءات لإطفاء الحياة السياسية الداخلية . لكن هذه لم تمت ولم تنطفئ إذ بقيت مثل نار صغيرة تخفق تحت الرماد . وبفضل تفتح المجتمع التونسي وحركة السفر واستقبال السياحة وحسن استخدام وسائل الاتصال الحديثة، ومع تكدس العاطلين عن العمل في الشوارع والمقاهي والتواصل الحي بين هؤلاء، فقد أمكن كسر الحظر على حرية التعبير، وإطلاق انتفاضة مدنية لا سابق لها في المجتمعات العربية، ومن الجلي أنه سيكون لها ما بعدها .