الرسول في رمضان

من المكتبة
13:33 مساء
قراءة 4 دقائق

قبيل ظهور الإسلام، فقدت الوثنية جوهرها وقوتها، وأصبحت مجموعة من الخرافات والأوهام، وأصبح العرب في حالة قلق ديني، ولكنهم عجزوا عن الوصول إلى ما هو أحسن بحيث يُرضي حاجاتهم ومطالبهم، وأصبحوا في خلافات دينية، ويمارسون عبادة الأوثان من دون شعور بإيمان حقيقي .

وظهر نفر من العرب نبذوا الوثنية، وتطلعوا إلى عقيدة أسمى .

وتنازع بنو هاشم وبنو أمية السلطة السياسية والروحية في مكة .

ونادى بعض المستنيرين منهم بالعودة إلى دين إبراهيم الحنيف، وإلى نبذ الوثنية والخلاص من رذائل الجاهلية . . دعوا إلى دين التوحيد، واعتقدوا في البعث والثواب والعقاب، وأطلق على هذه النزعة التحنف، وعلى أصحابها الحنفاء . وقد انقطع بعضهم للعبادة زمناً في كل عام يقضونه بعيداً عن الناس في خلوة، يتقربون إلى الله بالزهد والدعاء، ويلتمسون عنده الخير والحكمة .

وكان محمد بن عبد الله يعمل في التجارة، قبل البعثة النبوية، ويشارك في الحياة العربية، ويقوم برحلات بعيدة مع القوافل . وكان مغرماً طوال حياته بالتأمل والبحث الديني، فنبذ عبادة الأوثان، وبعد تماماً عن رذائل الجاهلية، وكان يؤمن بوجود قوى روحية، وأدرك أن عبادة الإله الواحد الحق، خالق العالم، هي الدين الحقيقي . وآمن محمد بأن الوقت قد حان لقيام حركة إصلاحية كبرى .

نزول الوحي

وكانت العناية الإلهية تحيطه وتعده ليكون خاتم الرسل والأنبياء .

وكانت الخلوة أعظم مرب له، فقد صفت قلبه من كل مشاغل هذا العالم، هو الذي ولد ونشأ يتيماً، حزيناً، متألماً . وبدأ يقصد غار حراء في رمضان من كل سنة، يُمعن التأمل، ويُكِثر من العبادة، مفكراً في الخالق العظيم، فيفطن إلى ضلال قومه من قريش، وإلى رذائل الجاهلية وترفها . يقضي شهراً في خلوة تامة .

وفي هذا الغار، وفي رمضان المعظم، نزل الوحي بكتاب الله، فالقرآن الكريم . وبدأ دور جديد عظيم في تاريخ البشرية جمعاء .

كان في الأربعين من عمره، حينما جاءه جبريل بأمر الله تعالى، وبدأ نزول القرآن الكريم، وتوالى الوحي ثلاثاً وعشرين سنة، وابتدئ بالتنزيل في شهر رمضان شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن، في ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر إنا أنزلناه في ليلة مباركة . . وظل الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاث سنوات يدعو إلى الإسلام: التوحيد، وبعده كانت الصلاة . ثم كانت الهجرة إلى المدينة، وتنظيم الحياة العامة فيها، وفي السنة الثانية منها، وفي شهر شعبان على الأرجح، فرض الله عز وجل على المسلمين صيام شهر رمضان، وكان ذلك قبل غزوة بدر . ونزلت آيات كريمة تفرض الصيام: فمن شهد منكم الشهر فليصمه إلى آخر الآية 185 من سورة البقرة )، وأقبل المسلمون جميعاً على أداء فريضة الصيام ثلاثين يوماً، وأبرز الرسول فضائل الشهر، فقال: أتاكم رمضان شهر بركة يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة، ويحط الخطايا، ويستجيب الدعاء، وينظر إلى تنافسكم في الخير، ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيراً، فإن الشقي من حرم من رحمة الله عز وجل . وإذا حضر رمضان فتحت أبواب الجنة، وأغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين وقال: إن الله فرض صيام رمضان وسننت لكم قيامه فمن صامه وقامه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه .

وفي شهر رمضان يرتبط الوجدان بالعمل، والفرد بالمجتمع، والدين بالحياة، فإذا هو تربية للفرد يوجه سلوكه، ويُهذب غرائزه، ويدفعه إلى العمل المثمر في إخلاص وصبر . كذلك تتعدى آثار الفرد إلى المجموع بالتعاطف والتضحية، والإيثار والبذل، والتكافل والتضامن، حتى إن قبول الصيام ليتوقف على زكاة الفطر في آخر رمضان، والصوم لا يكون صوماً حقاً إلا إذا انعكس أثره على حياة الصائم طوال شهر رمضان .

شهر الجهاد

في أسلوب تاريخي وعلمي شائق وسلس يتدفق كتاب الدكتور علي حسني الخربوطلي: الرسول في رمضان الذي أصدرته دار المعارف بمصر، في سلسلتها المتميزة المستمرة اقرأ التي أسسها وكان يُشرف عليها عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، مسلطاً الأضواء على جانب من جوانب حياة الرسول المجيدة المباركة، فيمدنا بصور عنها في شهر رمضان العظيم، الذي شهد تحنث الرسول في غار حراء، وشهد مشرق الإسلام، وأنزل الله فيه كتابه العزيز القرآن، وخصه المولى بركن من أركان الدين الحنيف وهو الصيام الذي يطهر النفس والبدن . وكان رمضان للرسول شهر الجهاد، فهو قد شهد إنفاذه لبعض السرايا (سنة 1 هجرية)، وشهد غزوة بدر الكبرى (سنة 2 هجرية) التي كانت أول انتصار للإسلام على الوثنية والجاهلية، واحتفلت المدينة في شهر رمضان بأعياد النصر وسط مظاهر الحمد والابتهاج، وشهد رمضان أيضاً تعبئة المسلمين قواهم وحشد جيوشهم للقاء المشركين في غزوتي أحد (3ه) والخندق (5ه )، ثم توج المسلمون انتصارات رمضان بفتح مكة (8ه) . وشهد رمضان التالي (9ه) عودة الرسول صلى الله عليه وسلم منتصراً من غزوة تبوك، ليسقط آخر معقل للوثنية في الجزيرة العربية .

هذا الكتاب (208 صفحات من القطع الوسط) من أجمل الكتب التي تعيش مع الرسول صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان، مُصَوِّراً كفاحه وجهاده من أجل إعلاء كلمة الله وإعزاز الإسلام، مُبرزاً ثمرات النضال من انتصارات باهرة غيرَّت مجرى التاريخ، بادئاً من الرسول في غار حراء في رمضان، ومنتهياً إلى عرض صور من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم في رمضان، ومنها مولد الحسن بن علي رضي الله عنه حفيد النبي في رمضان (3ه)، وزواج الرسول صلى الله عليه وسلم من أم المساكين زينب بنت خزيمة في رمضان (4ه)، ووفود العرب عليه في رمضان (10ه) يعلنون اعتناقهم الإسلام، وانتشار الإسلام في اليمن (10ه)، وسرد أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم حول فضائل رمضان، لينتهي الكتاب، الأنيق في طباعته، الدقيق في مادته والجميل في أسلوبه، بصفحات من هدي الرسول في الشهر الكريم الذي هو أفضل شهور العام بالنسبة للمسلمين في كل بلاد العالم .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"