فاضل ثامر: لست راضياً عن تجربتي النقدية

13:30 مساء
قراءة 6 دقائق

فاضل ثامر ناقد ومترجم عراقي صاحب اتجاه نقدي يتناول قضايا اللغة وعلاقتها بالنظريات النقدية ويناقش قضايا الهوية والمركز والهامش والتقوقع والانفتاح، ويستخرج المعطيات النظرية المنهجية في السوسيولوجيا والتاريخ والسياسة من دون أن يتخلى عن مناهج التحليل الأدبي النقدي . أصدر العديد من الكتب النقدية منها: إشكالية العلاقة بين الثقافي والسياسي، تحليل الخطاب الروائي، مدارات نقدية، الصوت الآخر، اللغة الثانية، المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي .

كما ترجم رواية الحديقة لمارغريت دورا . وهو يتولى رئاسة الاتحاد العام للأدباء في العراق .

أنت واحد من أبرز النقاد العراقيين المعاصرين، لكننا نحار في تصنيفك وفقا لما درج عليه الدرس النقدي في تقسيم النقاد والمبدعين إلى أجيال فهل تنتمي إلى حقبة الستينات أم السبعينات من القرن الماضي؟

من المعروف أنني ناقد ستيني قبل كل شيء، وإن كنت قد بدأت كتاباتي النقدية المبكرة في أواخر الخمسينات لكننها كانت تمرينات أولية على مشروع نقدي بدأت تتضح ملامحه في الستينات من خلال معايشة يومية لتجارب لجيل تلك الحقبة في مجال الشعر والقصة القصيرة والرواية، وقد أصدرت بالتعاون مع صديقي الناقد ياسين النصير مختارات من القصة الستينية العراقية في عام 1971 تحمل اسم قصص عراقية معاصرة تضمنت مختارات لأهم الأسماء الشعرية والقصصية التي أفرزها العقد الستيني آنذاك، كما انطوى كتابي النقدي الأول معالم جديدة في أدبنا المعاصر الصادر في عام 1975 على معالجات ودراسات نقدية للإشكاليات النقدية والثقافية التي أثارتها تجربة جيل الستينات . لكنني واكبت أيضا تجربة جيل السبعينات وبقية الأجيال الأدبية وصولاً إلى اللحظة الراهنة .

مادمنا نتحدث عن الأجيال . . هل تؤمن بالتقسيم الجيلي للأدباء الذي يعتمد عليه بعض النقاد؟

نعم، أنا من المؤمنين بمبدأ التقسيم الجيلي، خاصة في تجربة الأدب العراقي لكنني لا أستخدمه بإفراط، وأول جيل اقترن باسمه تجربة الحداثة الشعرية هو جيل الخمسينات وتلته الأجيال اللاحقة، ولدي توصيفات دقيقة لمبررات هذا التوظيف تقوم على أساس التحليل السوسيوثقافي فضلا عن الكشف عن الخصائص الفنية .

إذا طالعنا الدراسات التي أنجزت في نقد الأدب العراقي المعاصر فإننا نجد من بين هؤلاء المبدعين الرواد من تم إنصافه في النقد، بينما ظلم أو همش البعض الآخر . . فهل تعتمد هذه الدراسات نوعاً من التعادلية أو المصالحة؟

هذه شكوى مريرة، ولكنها مشروعة، ذلك أن الحركة النقدية في أي بلد عربي غير قادرة على إنصاف جميع المبدعين خاصة منذ أن بدأت الحداثة النقدية تهيمن على المشروع الأدبي والثقافي، ويعود سبب ذلك إلى أن الناقد بدأ ينهمك في التفاصيل والجزئيات الدقيقة للنيات الداخلية للنص الأدبي، ولهذا فإن دراسته تأخذ طابعاً تخصصياً ويتحول النص أحياناً إلى شاهد نصي لإثبات مقولة نقدية أو ممارسة تطبيقية للبرهنة على صحة وسلامة الكثير من المنهجيات النقدية والحداثية مثل البنيوية والتفكيكية ونظريات القراءة والتلقي والدراسات السيميائية والتأويلية، وهذا أدى إلى عجز الحركة النقدية عن النظر بصورة شاملة إلى مجموع الأعمال الأدبية التي ينتهجها الأدباء في فترة معينة، بل إن بعض النقاد قد يكتفي بنموذج واحد يمثله أديب محدد أو ربما جيل كامل، أي أن الناقد بدأ ينظر إلى المشهد الإبداعي بطريقة ميكروسكوبية .

يلاحظ تأثرك بالناقد العالمي ميخائيل باختين، فهل أنت ناقد عابر للغة؟

لقد استفدت كثيراً من منظورات باختين النقدية في دراسة وتحليل النص الروائي بشكل خاص .

وتجلى ذلك في كتابي النقدي الصوت الآخر الصادر عام 1992 خاصة في دراسة مظاهر المونولوجية أحادية الصوت والبوليفينية متعددة الأصوات في الرواية، كما أفدت من مفهوم باختين للجوهر الحواري في الخطاب الأدبي .

وأقول لك صراحة لم يكن باختين هو الوحيد في منهجي فقد أفدت قبل ذلك من عدد من النقاد منهم لوسيان جولدمان صاحب البنيوية التكوينية الذي حاول أن يوفق بين المنظور السوسيولوجي في الرواية والتحليل النصي خاصة في الرواية الفرنسية، كما أخذت من نقاد اجتماعيين آخرين أمثال جورج لوكاش، لكن في المقابل وربما بدرجة أكبر من نقاد حداثيين أمثال رولان بارت وجيرار جينيت وتودورف وغيرهم، وقد أخذت بشكل خاص من الدراسات الحداثية حول علم السرد وكذلك مبادئ الشعرية والدراسات اللسانية على طريقة فرديناند دي سوسير . هذه الخلطة هي جزء من الوصفة السرية لمكونات رؤيتي النقدية التي ما زالت منفتحة على كل كشف ثقافي أو نقدي جديد، حيث أفدت لاحقا من الدراسات الخاصة بما بعد الكولونيالية وكذلك بدراسات النقد الثقافي التي يمثلها في النقد العربي الدكتور عبد الله الغذامي .

أين الهامشي والمقصي في خطابك النقدي؟

لقد أصدرت في الماضي كتاباً بعنوان: المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي في عام 2005 أشرت فيه إلى أن النص الأدبي يكشف عما هو ظاهر من سياقات خطية كتابية وأسلوبية، لكنه أيضا قد يخفي الكثير مما هو مسكوت عنه أو مغيب لاعتبارات كثيرة، منها: الفوبيا السياسية ومظاهر القمع الاجتماعي والديني والسياسي والأسري التي تجبر المبدع على ترك فجوات بحاجة إلى آلية نقدية لاستنطاقها وإماطة اللثام عنها، لذلك أنا أؤمن بأن في كل عمل أدبي إبداعياً كان أو نقدياً ما هو متن أساسي فضلاً عن وجود هامش قد يكون معلناً أو مموهاً أو مسكوتاً عنه، والناقد الجاد ينبغي أن يعمل على اصطياد هذين المستويين دائما .

الملاحظ أنك تستعيد الظاهرة الثقافية بوصفها جملة لسانية خاصة لمجموعة من المعاني والشفرات . . لماذا؟

النص الأدبي هو فعلا جملة لغوية لكنه ينطوي على شفرات ومعانٍ خفية، ومسؤولية الناقد ألا يتوقف أمام المستوى الظاهر والخطي للجملة اللغوية أو اللسانية، أو ما تسمى بتعبير تشومسكي بالبنية السطحية بل عليه أن يغوص داخل النص بحثا عن البنية العميقة من خلال تحليل سوسيولوجي تارة وسيميائي تارة أخرى .

انشغالك بالمكان العراقي والعربي هل بوصفه فضاء دلالياً ومكوناً سردياً أم باعتباره مقاربة مفتوحة إزاء النص والتاريخ والثقافة؟

هذا السؤال يحيلنا إلى مكون مهم من مكونات النص الإبداعي، وهو ما يسمى بالبنية المكانية داخل النص، هذه البنية التي سبق أن كشف عنها الفيلسوف الفرنسي باشلار في كتابه عن شعرية المكان، واشتغل عليها الناقد العراقي والصديق ياسين النصير باستفاضة .

أنا أرى أن المكان قد يتحول في النص السردي خاصة، وأحيانا في النص الشعري، إلى بؤرة دلالية مكونة ورامزة، وأنا شخصياً لم أنشغل باستنطاق البنى المكانية للنصوص الإبداعية لكنني توقفت معها في تجربة لأحد أعمال نجيب محفوظ قشتمر التي احتل فيها المقهى دوراً كبيراً وحاضناً للحدث الروائي، كما درست دلالة المكان في رواية للروائي العراقي غائب طعمة فرمان كان فيها مقهى دبس بؤرة مكانية رامزة للدولة العراقية عبر مراحلها المختلفة، وذلك في رواية الضربات .

كما درست دلالة المكان في بعض خصائص شعراء الحداثة ومنهم: رعد عبد القادر وياسين طه حافظ وغيرهما، خاصة في تشكيل بنية المشهد الشعري .

هل أنت مقتنع في هذا العمر من تجربتك في الحياة والكتابة بأنك أسديت واجباً إنسانياً تجاه الآخرين إلى حد انتقالك من الالتزام السياسي والاجتماعي الضيق والمباشر إلى الالتزام الإنساني مثلما تكشف عنه أعمالك الأخيرة؟

لقد مر على تجربتي النقدية أكثر من نصف قرن، وهي جزء من مشروع ثقافي شخصي يلتحم بموقف فكري وحضاري وحياتي يؤمن بالجوهر الاجتماعي للثقافة والأدب، وبمسؤولية النقد بوصفه مثقفاً عضوياً بتعبير المفكر الإيطالي جرامشي، ولذا فأنا أزاوج بين الكتابة النقدية المتخصصة والفعل الثقافي اليومي والاجتماعي والسياسي، وخلال هذه الفترة اغتنت تجربتي منذ البداية المبكرة في حقبة الستينات التي كانت تعتمد إلى حد كبير على الذائقة الشخصية وعلى الحوارات الفردية، دونما تبلور كامل لمفهوم المنهج النقدي في ذلك الوقت، لكن ظهور الاتجاهات النقدية الحداثية والدراسات اللسانية والسيميائية عمق الملامح المنهجية في تجربتي النقدية وقادني إلى إبداع توليفة ربما يعتبرها البعض تلفيقية بين المنهجيات النصية الداخلية بين المنهجيات الخارجية والسياقية، وأطلقت على هذا المنهج: المنهج السوسيوشعري لأنني أعتقد أن المنهجيات النصية الداخلية لا تكفي في ذاتها لأنها لا تكترث بالطبيعة الاجتماعية للنص الإبداعي، كما أنها لم تتوقف بطريقة ملائمة أمام عملية استنطاق المعنى وتقطيره من النص الأدبي، ولهذا عمدت إلى دعم هذه المناهج النصية بمنظورات سوسيولوجية وثقافية سياقية تعيد إلى التحليل النقدي اجتماعيته وارتباطه بالسياق التاريخي والمعرفي بشكل عام، كما أنني لم أتعال على المنظور الأيديولوجي لكنني قدمت له فهماً منفتحاً ومرناً ولم أوظفه بطريقة تعسفية كما يفعل البعض .

أنت تسأل فيما إذا كنت راضياً عن منجزي النقدي الحالي . . شخصياً أعتقد أن الرضى عن النفس وعن الانجاز الشخصي خطأ كبير، ويجب على الناقد أن يكون جريئاً في نقد الذات وجريئاً في الكشف عن آفاق جديدة للتحليل النقدي، ذلك أن التجربة الحياتية والثقافية، تمدنا كل يوم وكل لحظة برؤى وكشوفات جديدة تدفعنا إلى إعادة النظر في صياغة أدواتنا ومجساتنا النقدية التي نتعامل بها مع النص الأدبي .

وعندما أعلن رضاي عن منجزي النقدي تكون قد انتهت وكتبت السطور الأخيرة من تجربتي النقدية .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"