"التنازل" بلسم الخلافات الأسرية

أهم موجبات الاستقرار العائلي
13:31 مساء
قراءة 7 دقائق

التنازل فن لا يجيده الكثيرون، بالرغم من أهميته في إدارة الحياة الأسرية، حيث إن التنازلات المتبادلة هي التي تقف أمام مصاعب الحياة وتحدياتها المستمرة، ولعل تقارب مفهوم التنازل من مفهوم التضحية، يجعل البعض يظنون أنهم بتخليهم عن بعض امتيازاتهم وتقديمهم بعض التنازلات، إنما يقومون بتضحية ويقدمون شيئاً من أنفسهم، ولكن هناك فرق كبير بين التنازل والتضحية، حيث إن تقديم تنازل هو التخلي عن شيء إيجابي يمكن الاستغناء عنه، أما التضحية فهي درجه أعلى من العطاء، يتخلى فيها الفرد من نفسه، عن أمور ضرورية وحيوية من الصعب التخلي عنها عادة، وعلى أرض الواقع لابد من تقديم تنازلات إيجابية من أجل ضمان الاستقرار الأسري، فعندما يجد أفراد الأسرة أن لكل منهم رغبات واحتياجات لا تتفق مع ما يريده الآخر، سواء كان ذلك في المواقف الصغيرة أو المحكات الكبيرة، لابد من تنازل أحد الأطراف للوصول لأفضل الحلول، لتستمر الحياة بعدل وتوافق . في هذا التحقيق نستعرض تجارب واقعية لتنازلات إيجابية وأخرى سلبية، يتحدث أصحابها عن ظروفها ونتائجها عليهم .

قدمت هدى ياسين (موظفة) تضحية كبيرة غيرت ملامح حياتها من أجل مستقبل أسرتها، تتحدث عن تجربتها قائلة : اضطررت للهجرة، بعد أن تعرضت أسرتنا لأزمة مالية كبيرة، وكنا قبلها نعيش حياة كريمة، ومن أجل تجاوز هذه الأزمة، كان يجب على أحد أفراد هذه الأسرة أن يضحي من أجل الآخرين، وقررت السفر للخارج للعمل ومساعدة أهلي، وضحيت بوجودي معهم، وبعد مرور سنوات طويلة من هذه التضحية، لم أشعر بالندم، لأنني استطعت بتضحيتي الكبيرة أن أحقق إنجازات كثيرة، أهمها أنني وفرت لوالدتي وإخوتي حياة كريمة، وبفضل الله أكمل جميع إخوتي تعليمهم، وهم الآن قادرون على تحمل مسؤولياتهم .

ويصف علي القاضي، محاسب نفسه بأنه المتنازل دائماً، قائلاً: إيماني بأن الله لن يبخسني حقي، يجعلني أتنازل في بعض الأحيان من دون أن أفكر كثيراً في ما إذ كان هذا التنازل لمصلحتي أم لا، فأنا مؤمن أن كل ما يفعله الإنسان سواء كان خيرا أم شرا سيرتد له، وبالنسبة لي أكبر تنازل قمت به، قراري بأن أتنازل عن حضانة ابنتي لتعيش مع أمها بعد أن تجاوزت السن القانونية التي تسمح لها بالبقاء معها، ولكن حبي لابنتي جعلني أتنازل عن حقي بأن تنتقل حضانتها لي، إذ إنني مؤمن أن عطاء الأم لا يعوض، وأن البنت مهما كانت علاقتها بوالدها تفضل العيش مع أمها في حالة انفصال الوالدين، وبالرغم من أن الكثيرين من محيطي اعتبروا هذا القرار تخلي عن مسؤوليتي تجاه ابنتي، ولكن الله يعلم ما تكنه الصدور، وأن شعوري بالمسؤولية تجاه ابنتي هو الذي دفعني إلى التنازل عن حضانتها لوالدتها، إذ إنني كنت ولاأزال حريصاً على ألا أدخل في مشكلات قضائية مع والدتها، لأنني مدرك أن هذه المشكلات ستنعكس على نفسية ابنتي وعلى علاقتها بي، ولهذا كنت ومازلت مستعداً للتنازل من أجل راحة ابنتي .

أما في حالة أحمد الشاذلي، (مهندس مدني)، فهو يعد أن أكبر تنازل قدمه في حياته، هو التخلي عن الإنسانة التي اختارها لتكون شريكة حياته، بعد أن قابلت والدته هذا الاختيار بالرفض التام، وبعد محاولات كثيرة لإقناعها باختياره كان عليه أن يتنازل عن أحد أمرين، وكلاهما مر، الأول أن يصر على اختياره ويخسر رضا والدته ومباركتها لزواجه، والاختيار الثاني أن يضحي بحبه من أجل أمه، يقول : وجدت نفسي مضطراً للتنازل عن رغبتي مقابل رغبة أمي، بالرغم من حبي وقناعتي بالإنسانة التي اخترتها، ومع أنني أعرف أنني أمتلك حرية الاختيار، ولكنني تنازلت عن هذا الحق، لأكسب رضا والدتي التي ضحت بالكثير من أجل راحتنا .

تقدم أم أحمد، موظفة وأم لثلاثة أطفال سلسة من التنازلات اليومية والمصيرية من أجل استقرار أبنائها الثلاثة، تروي قصة تنازلاتها، قائلة : ارتبطت بزوجي في فترة قصيرة لا تتعدى الثلاثة أشهر، وسافرت معه إلى مكان عمله، وهناك اكتشفت أنه إنسان مادي إلى أقصى درجة، وبالرغم من ذلك حاولت التأقلم مع طبيعته، واضطررت إلى العمل لمساعدته، واعتقدت أنه بمرور السنوات ستستطيع العشرة أن تغير من طبيعة زوجي الأنانية، خاصة بعد أن أنجبنا أبناءنا الثلاثة، ولكنه للأسف مازال ينظر لي على أنني مصدر دخل إضافي له، ولأنني لم أعد أعطيه مرتبي كما تعود في سنوات زواجنا الأولى، كشر عن أنيابه وأصبحت حياتنا سلسلة من المشكلات التي لا تتوقف، وبالرغم من أنني تأكدت من أن حياتنا الزوجية محكوم عليها بالفشل، لم اتخذ قرار الطلاق من أجل أطفالي الثلاثة، حيث إنني كنت ولاأزال مستعدة للتضحية بسعادتي من أجل أن يعيشوا في كنف والديهم، وهذه التضحية الكبيرة بالنسبة لي تجر علي تنازلات يومية، تزيد من معاناتي، فأنا مضطرة للتعامل مع شخص أعرف أنه لا يحبني ولا يقدرني، ويسيء معاملتي باستمرار، منذ اللحظة التي قررت فيها أن تكون لي حرية التصرف بمرتبي .

وتعتقد بسمة محمد، (خريجة دبلوم مهني) أنها لم تكن مخيرة في رعاية والديها، اللذين كانا في أمس الحاجة لها في مرضهما، حيث إنها أكبر أبنائهما، يليها ثلاثة أولاد، ولأنها الابنة الوحيدة لهم، فهي الأقدر على الاهتمام بوالديها، تقول: بعد تخرجي عملت في مجال رياض الأطفال لخمس سنوات تقريبا، وبعدها اضطررت للجلوس في البيت لمساعدة والدتي على الأعمال المنزلية، وبالرغم من أنني كنت أحب عملي، ولكنني تنازلت عن وظيفتي من أجل مساعدة أمي، وكنت كلما فكرت في العودة للعمل، وجدت أن ظروفنا العائلية لا تسمح، كما أنني لم أتزوج في تلك الفترة، بسبب قلة الفرص المناسبة من جهة، وتعنت والدي في شروطه مما ضيع علي أية فرص زواج، وبمرور السنوات فاتني قطر الزواج، وعندما فكرت في اللحاق به، ابتلى الله والدي بأمراض مزمنة، كان من الصعب بعدها أن أتخلى عن والدي، وكان السؤال الذي يطرح نفسه عليّ دائماً، إذا تزوجت من الذي سيتحمل مسؤولية والدي؟، وكان قراري بعدم الزواج خياراً لا بديل له، ولعل الله خصني بهذا الفضل، ليكون في ميزان حسناتي يوم القيامة، واليوم بعد وفاة والدي، رحمهما الله، وافتقادي الكبير لهما، مشاعري متضاربة بين شعوري بالرضا العميق لأنني كنت بجانب والديّ في جميع مراحل حياتهما ومرضهما حتى آخر لحظة في حياتهما، والشعور بالخوف من المستقبل المجهول الذي سأنتظره بمفردي بلا زوج أو ابن، يملأ علي حياتي .

ويتحدث حسين السعدني، محاسب عن تضحيته من أجل إخوته، قائلا: باعتبار أنني الابن الأكبر لوالدي، كنت أول من أكمل تعليمه الجامعي، وبفضل الله، جاءتني فرصة عمل في الخارج، ولم أتردد في قبولها، لأنها بالنسبة لي ولأي شاب فرصة لا تعوض، وبسبب ظروفنا المادية الصعبة، كنت أسهم بجزء كبير من دخلي الشهري في تعليم أخوتي، حتى بعد أن تزوجت وأصبح لدي خمسة أبناء، وزادت مسؤولياتي المادية، لم أستطع أن أتخلى عن أخوتي، بالرغم من أنني من ذوي الدخل المحدود، فبالنسبة لي كان تعليم أخوتي أولوية لا يمكن التنازل عنها، وبالرغم من أن الكثيرين كانوا يعدون ما أقوم به تضحية كبيرة، ولكنني كنت أرد عليهم بأنها لو كانت بالفعل تضحية، فأنا مؤمن بأن تعليم أخوتي يستحق هذه التضحية، ولكن يؤسفني أن أعترف بأن أخوتي بعد أن أكملوا تعليمهم، وأصبح لكل منهم وظيفة ودخل شهري، نسوا أو تناسوا عطائي وتضحيتي من أجلهم، واليوم بعد أن أصبحت التزامات أبنائي الدراسية تفوق قدراتي المادية بكثير، خاصة في مرحلة التعليم الجامعي، لم يفكر أي من أخوتي في مساعدتي ماديا، وأنا بدوري لا أجبرهم على مقابلة تضحيتي من أجلهم، بتضحية أخرى من جانبهم، ولكنني لا أنكر أن صدمتي بهم كبيرة جداً .

يناقش الدكتور عبد العزيز الحمادي، (علم نفس اجتماعي) مفهوم التنازل، موضحا الفرق بين التنازل والتضحية، يقول: عندما يتنازل الإنسان، فإنه يتوقع من الطرف الآخر تقدير تنازله، وأن يكون التنازل متبادلاً بينهما، أما في حالة التضحية فلا يشترط أن تكون متبادلة، لأنها درجه أعلى من العطاء، يتخلى فيها الفرد من نفسه، عن أمور ضرورية وحيوية من الصعب التخلي عنها عادة، في حين أن التنازل هو التخلي عن شيء إيجابي يمكن الاستغناء عنه، بهدف تسهيل الأمور ضمن متطلبات الحياة الأسرية، التي يعتمد استمراريتها واستقرارها على فهم ثقافة التنازل، واستخدامها بطريقة إيجابية تحقق حياة مستقرة وعادلة لجميع أفراد الأسرة، من دون أن تكون التنازلات لمصلحة طرف على حساب طرف آخر .

ويضيف: قد يثير مصطلح التنازلات حفيظة بعض الأشخاص، لأنهم يرون أنه يوحي بالخصومة والنزاع، وهو ما لا يتفق مع طبيعة الحياة الأسرية التي تقوم على المودة والرحمة، ولكننا هنا لا نقصد التنازل بالمعنى الظاهري الدال على عدم المطالبة بالحقوق والإغضاء عن المتطلبات الأساسية التي يحتاجها جميع أفراد الأسرة، بل المقصود منها هو إدارة العلاقة بشكل منظم بعيداً عن الأنانية، التي تؤدي إلى ميل كفة الميزان لمصلحة طرف على حساب طرف آخر، والتنازل عادة يتم بين طرفين أو أكثر، ويجب أن يدرك جميع أطراف هذه المعادلة، أنهم يشكلون وحدة واحدة في مركب واحد، وأن علاقتهم ليست صراعية بل تراحمية، والتنازل المطلوب بينهم هو بهدف الوصول إلى أسس واعتبارات تتعلق بما نريده من الطرف الآخر، وما يريده منا، ولابد أن يأتي هذا التنازل من رضا النفس الداخلي، وأن يقدم بهدف معين، كما يجب أن يكون التنازل إرضاء لرب العالمين، حتى لا يشعر الإنسان بالندم إذا لم يقابل تنازله بالتقدير من الطرف الآخر، عندها يتحقق الشعور بالطمأنينة، ما يؤثر في جوانب الحياة المختلفة، ومن أهمها تحقيق الاستقرار النفسي والأسري، والوقاية من الأمراض النفسية والجسدية . . الخ .

أما النزول على رغبة الآخر عند حصول تعقيدات، حيث يفضل أحد الأطراف التنازل والاستغناء عما كان يريده، لاعتقاده أن التنازل سهل، وهو ما يؤدي إلى تلاشي النزاع في فترة وجيزة رغم استمرار جذوره، يعد تنازلاً سلبياً إن لم يكن في موضعه، حيث إن التنازلات من هذا النوع مع مرور الوقت تؤدي إلى انهيار العلاقات الإنسانية والأسرية، فيجب أن يكون التنازل بطريقة واعية، وأن يدرك جميع أفراد الأسرة أن التنازل هو أحد أهم موجبات وجود الاستقرار الأسري، وهو عملية تبادلية بينهم، يتبعها توقعات بتقدير هذه التنازلات، والتقدير هنا يجب أن يكون ملموساً، وينعكس على مستوى وطبيعة العلاقة بين أطراف هذه المعادلة .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"