عشرة أعوام أخرى

04:56 صباحا
قراءة 3 دقائق

تصريح بابكر زيباري رئيس أركان الجيش العراقي الذي يفيد بأن الجيش العراقي غير قادر على النهوض بواجباته بصورة كاملة قبل حلول العام ،2020 ما يشي بالرغبة في استبقاء القوات المحتلة لعشرة أعوام أخرى . التصريح جاء رداً على تأكيدات الإدارة الأمريكية خلال الأسبوع الفائت، بأن سحب القوات سوف ينجز كما تم الاتفاق عليه مع نهاية العام المقبل ،2011 وأن بضع مئات فقط من العسكريين سيبقون على الأراضي العراقية .

وخلافاً لما يوحي به تصريح زيباري فإن تأهيل الجيش العراقي ليس مسألة تقنية تتعلق بالعدد والعتاد والتأهل، ولكنها في الأساس وفي الظروف الملموسة التي يعيشها هذا البلد، هي مسألة تتعلق بالرؤية والقرار السياسي للجهات الحاكمة في المقام الأول، ثم لبقية القوى السياسية ذات الحضور والنفوذ على الأرض . ومفاد ذلك بأنه يتعذر ان تتمكن السلطة القائمة من تكريس ولايتها العامة على البلاد والعباد، في غياب شرعية تقوم على التمثيل الانتخابي كما على استقطاب ممثلي المجتمع والكفاءات، ضمن رؤية تنزع إلى استكمال استعادة السيادة في أقرب الآجال وتكريس الوحدة الوطنية، وتضع القوة المسلحة الشرعية في خدمة هذا الهدف الوطني الجامع . وليست العثرات العديدة التي أصابت إعادة بناء القوة الأمنية الذاتية إلا شاهداً بين شواهد أخرى، على الفشل في التماس أفق وطني للعملية السياسية يجمع إليه العراقيين من مختلف المنابت والمشارب والمناطق .

لقد تحققت بعض الإنجازات في السنوات القليلة الماضية، وذلك بالاحتكام إلى العملية التمثيلية والحد من نفوذ الميليشيات، وتمكين البرلمان المنتخب من النظر في مشاريع القوانين والاتفاقيات والبت بها، وجرى دعوة قطاعات عديدة من الجيش العراقي السابق للعودة إلى قطعاتها، غير أن هذه العملية بجوانبها المختلفة، ظلت محكومة بالمراوحة بين منطق قوى الأمر الواقع ومنطق بناء الدولة التي تتعالى على الاعتبارات والمصالح الفئوية والمحاصصة الضيقة . وكذلك في المراوحة بين إنفاذ دولة القانون والمؤسسات وبين الفساد الذي طاول العديد من مراكز السلطة التنفيذية . وقد كان لذلك كله عواقب سيئة على القدرات الأمنية وعلى بناء قوات مسلحة وطنية ومهنية ذات مرجعية محددة لا تقع خارج الدولة .

من دواعي الغرابة أن المهلة الباقية أكثر من 16 شهراً لا تبدو كفرصة متاحة لاستكمال عملية البناء، ولكأن دولة العراق يجري بناؤها من الصفر كما هو الحال في أفغانستان مثلا، بدلا من احترام الوقائع التي تفيد بأن العراق يمتلك جيشاً وطنياً منذ ثمانية عقود على الأقل، وأثبت قدرات قتالية عالية في مواجهات عسكرية من بينها خارج الحدود على أرض فلسطين وعلى تخوم الجولان وأن الأمر لا يتعلق باستحداث بناء جيش لأول مرة في دولة حديثة الاستقلال .

مع ذلك فإن غاية هذا المقال ليست التطرق إلى جوانب هي من اختصاص الخبراء والعسكريين من دون سواهم، بل التأشير إلى الجانب السياسي المتعلق باستنهاض دولة عربية وازنة وافرة الموارد، واستعادة استقلالها وقرارها الحر، وحشد الإمكانات المتاحة وإعادة إطلاقها، ضمن أفق سياسي وطني ترتضيه الأغلبية الغالبة من العراقيين، ويعبر عن مصالحهم العليا .

إنه لمن المفارقة أن لا تتم الشكوى من عملية بناء قوات البيشمركة، وأن تنبئ سائر التصريحات والوقائع عن أن هذه القوة الإقليمية (العائدة لإقليم كردستان العراق) تتمتع بقدرات وافرة ولا تشكو من نقص في عديدها وتعدادها أو منازعة على سلطتها، ولا يساور القلق القيادة السياسية في كردستان وزيباري جزء منها إزاء أهليتها وتنامي قدراتها، بينما الجيش الوطني المركزي تعترض إعادة بنائه عقبات تلو عقبات، وتبدو الطريق أمام تنظيمه ونهوضه بكامل واجباته محفوفة بالمصاعب والشكوك، من اليوم وحتى عشر سنوات لاحقات، وحتى من دون إبداء العزم والنية على استدراك ما فات ومضاعفة الجهود، ولدرجة تتطلب استمهال القوة الأجنبية المحتلة للبقاء .

لا يود أحد التهوين من جسامة التحديات الأمنية التي ما زال يشهدها بلد الرافدين، واستعداد قوى مسلحة لتوجيه بنادقها نحو الداخل العراقي ما أن تستكمل القوة الأمريكية تنفيذ انسحابها المزمع، غير أن هذه المحاذير المشروعة لا تسوغ إبقاء الوضع الشاذ على ما هو عليه، بل تملي التقدم إلى الأمام في عملية سياسية جدية ونزيهة، وذات طابع تمثيلي وتشاركي حقاً، بما يهيئ أفضل الظروف والأجواء للمضي قدما في بناء القدرات الأمنية الذاتية، ولا شك في أن تعطيل المسار الدستوري والانتخابي منذ أكثر من خمسة أشهر والفراغ الذي تشكو منه السلطة التنفيذية، والحؤول دون ممارسة السلطة التشريعية المنتخبة لمسؤولياتها، كل ذلك لا يصب في هدف استعادة الدولة الوطنية بسائر أركانها، ويشجع على إطلاق رؤى وتقديرات يذهب أصحابها إلى أن نهوض البلد بذاته دونه سنين وسنين وربما خيبات تتلوها خيبات .

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"