عاشت أجيال ما بعد منتصف القرن الماضي حلم الوحدة بين الكيانات العربية، وقد تم قطع شوط على طريق تحقيق هذا الحلم، كما في الوحدة المصرية السورية ،1958 واتحاد الإمارات العربية ،1971 ووحدة الشعبين الأردني والفلسطيني ،1951 في إطار المملكة الأردنية . قبل ذلك كانت الحجاز ونجد قد توحدت في إطار المملكة العربية السعودية . وفي أواخر القرن الماضي تحققت الوحدة بين الشطرين الشمالي والجنوبي لليمن .
صمدت بعض هذه التجارب وأصبحت من حقائق الحياة والواقع السياسي والاجتماعي، وانتكس بعضها الآخر . ورغم ذلك فإن الأجيال السابقة التي تفوق فيها الأعمار حالياً الخمسين عاماً، ظلت تنطوي على حلم الوحدة القومية وترى فيه ممكناً قائماً يستحق بذل الجهد من أجل بلوغه، وإن بالتدريج . وقد دفع كثيرون من حياتهم وزهرة أعمارهم قرباناً لتحقيق هذا الحلم .
يستحضر المرء تلك الوقائع وما كان يحف بها من آمال ومن انفعالات وسجالات، وهو يعاين المشهد السياسي العربي منذ مطالع القرن الحادي والعشرين، حيث لم تتراجع فقط فكرة الوحدة أو الاتحاد، في الأذهان كما في الأعيان، ولكنها أخلت المكان والوجدان وأفسحت حيزاً واسعاً لظهور توجهات انفصالية داخل البلد الواحد، والتي بات بعضها متفقاً عليه وفي منزلة تحصيل الحاصل، بانتظار نضج الظروف واستكمال الاستعدادات لتحقيق ذلك التغيير الجيوسياسي .
لقد حفل عام 2010 الذي يوشك على الانصراف بتطورات ومواقف تلتقي حول اندفاع جنوب السودان للانفصال، وإقامة دولة مستقلة في ذلك الجزء الإفريقي من العالم العربي . والراجح أن الأسابيع الأولى من العام المقبل سوف تشهد تسريعاً لحدوث هذا التطور، وذلك مع قرب إجراء الاستفتاء لأهل الجنوب . وقد بات هؤلاء كما أهل الشمال، وكما هو حال السياسيين في الحكم والمعارضة، يجمعون على أن الانفصال بات أمراً راجحاً وشبه محتم . وهناك من أخذ يتحدث عن اليوم التالي للانفصال، راسماً صوراً وردية لمآل الأوضاع في كل من الشمال، حيث الحكم المركزي والشمال موطن الدولة المرتقبة . يتمنى المرء حصر الضرر، وأن لا تعقب الانفصال حالات من الاضطراب وما هو أسوأ منه في العلاقة بين جناحي الوطن، خاصة أن هناك ميراثاً حالكاً من الاحتراب والتنازع بين الجانبين دام نحو ثلاثة عقود .
وإذا كانت العلاقة بين الطرفين بين المؤتمر الوطني الحاكم والحركة الشعبية لتحرير السودان التي ستقود دولة الجنوب، قد سادتها حالة من الاستقرار والاعتراف المتبادل بعد تجربة المشاركة في الحكم، بما سوف ينعكس مستقبلاً على العلاقات بينهما، فإن الخشية تبرز بعدئذ من حالة استقطاب إقليمية يثيرها قيام الدولة الجديدة، وما قد ينشأ عنها من اصطفافات تورث السودان المزيد من المتاعب، وذلك دون إغفال انعكاسات هذا الحدث المفصلي على الوضع في إقليم دارفور ثم على العلاقات المتوترة بين أهل الحكم والأحزاب المعارضة في الشمال .
سوف يصعب حقاً أن تدور عقارب الساعة إلى الوراء، كتخيل أن يعود نحو ثمانية ملايين من أبناء الجنوب، مهرولين نحو استعادة الوحدة مع أبناء شعبهم ووطنهم، غير أن مسؤولية الحكم في الشمال تبقى بأن ينجح ولو متأخراً في اجتذاب هؤلاء، نحو علاقات اقتصادية تكاملية وفتح الحدود بين الجانبين والأحرى عدم إغلاقها، وتنشيط أوجه التواصل والتبادل بين الجانبين، ودرء مخاطر الاستقطابات الاقليمية . وهذه مسؤولية كل القوى السياسية في الشطرين في الحكم والمعارضة، وبحيث يتسنى في النهاية أن يستشعر السودانيون مزايا الوحدة حتى لو ضمن واقع انفصالي . وذلك بدلاً من البكاء على اللبن المسكوب، واستنزاف الطاقة في الحديث عن مؤامرات معلومة وخفية أدت إلى ما أدت اليه .
على أن السودان ليس البلد الوحيد الذي ترتفع فيه رايات الانفصال، ففي اليمن استقر الخطاب السياسي ل الحراك الجنوبي على الدعوة لإجراء مفاوضات مع صنعاء . وترددت أنباء عن محادثات جرت بعيداً عن الأضواء بين مسؤولين كبار من الجانبين في عاصمة أوروبية، وسواء كانت هذه المباحثات جرت أم لم تحدث، فالبادي أنه لم يكن لها أي انعكاس على الوضع المضطرب الذي يعيشه جنوب اليمن، والذي لا يبدو هناك أفق لوضع نهاية توافقية له بين الأطراف الفاعلة، وهي أطراف كثيرة متعددة المشارب بينها من عناصر الافتراق ما بينها من عوامل الالتقاء، رغم ما يبدو على السطح من علاقة محكومة بالتناقض بين طرفين رئيسيين فحسب .
الخشية أن تكون الأمور قد وصلت إلى نقطة اللاعودة، بحيث تنحصر الخيارات بين وضع يزداد اضطراباً ويستنزف الجميع، أو يتم الانكفاء ولو واقعياً على الأرض إلى التشطير مجدداً وفي أجواء عدائية . وهو ما من شأنه أن ينعكس بالسلب على منطقة واسعة في القلب منها إقليم الخليج العربي .
قريباً من قلب المشرق العربي، فقد ارتفع مجدداً صوت يدعو لاستقلال إقليم كردستان العراق، وذلك على وقع الأزمة السياسية التي لم تشهد بعد الفصل الأخير من انفراجها . ورغم أنه تم بعدئذ التراجع جزئياً عن تلك الدعوة، وإحلال المطالبة بعراق فيدرالي محلها، إلا أن هذا الخيار ازداد ارتسامه وضوحاً في الأفق، ولا يعدو مستغرباً المطالبة به في أجواء من الانقسام والتقسيم الفعلي على الأرض وفي النفوس، بين الجماعات السياسية والاجتماعية في بلاد الرافدين .