كان إعلان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ورئيس الحكومة البريطانية ديفيد كاميرون في القمة الفرنسية البريطانية المنعقدة في 2/11/2010 عن توقيع اتفاقيتين للتعاون في مجالي الدفاع والأمن النووي حاسماً للجدل، الذي دار في الأوساط السياسية حول جدوى هذا الاتفاق، والذي يعد من أهم الاستراتيجيات العسكرية وله أبعاد سياسية دولية كبيرة في مجال الاستقراء العسكري، بمعنى آخر، أن بريطانيا وفرنسا المتنفذتين على المستوى الدولي سوف تعني لهما هذه المعاهدة تركيز مستوى الصراع في قضايا التسلح النووي المتطور، وكذلك التسلح التقليدي الهائل التطوير والتعقيد والباهظ التكاليف من حيث التصنيع والإدارة والاستخدام .
وبتوقيع هذه المعاهدة سيكون لكل من فرنسا وبريطانيا دور أكبر من حيث التأثير في الأحداث الدولية، مستخدمتين البعد النووي على الساحة السياسية، ويحدث ذلك حينما تستطيع بعض الدول الخارجة عن إطار الاتفاقيات النووية أن تقوم بتصنيع وإنتاج أسلحة كيميائية مع توفر الإمكانية التكنولوجية لديها . ويتمثل الهدف البعيد من هذه المعاهدة في الحد من انتشار وإنتاج ونقل استخدام الأسلحة النووية، والإمعان في إضعاف الدول التي دخلت في النادي النووي، وردع الطرف المقابل الذي يمكنه إنتاج مثل هذه الأسلحة، كما أنها من دون شك ستمنح أوروبا تفوقاً نوعياً وعسكرياً على المدى البعيد .
ويعد الجانب السري في بنود المعاهدة مخيفاً ومرعباً، خصوصاً في مجال تطوير السلاح الجرثومي، شأنه شأن السلاح النووي والكيميائي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق في منتصف القرن العشرين، حيث أنشات الولايات المتحدة برنامج أبحاث الدفاع البيولوجي والذي أوكل اليه تطوير القدرات العسكرية البيولوجية بإقامة العديد من مراكز أبحاث الميكروبيولوجية، كما أنشات بعض الدول الأوروبية برامج مشابهة وأضفت عليها ستاراً من السرية، وفي المقابل أنشأ الاتحاد السوفييتي السابق مراكزه البحثية المشابهة . ومنذ ذلك التاريخ بدأت الأبحاث والتجارب تُجرى في نطاق من السرية لتطوير السلاح الجرثومي باستخدام ميكروبات مرضية ناقلة للفيروسات المسببة لأمراض خطيرة للإنسان كمرض الحمى الصفراء، والطاعون أو الموت الأسود .
وقد ذكر الرئيس ساركوزي في القمة الفرنسية البريطانية انه من الطبيعي أن تكون مثل هذه المعاهدة بين دولتين تمثلان معاً 50 في المئة من القدرات العسكرية في أوروبا، مشيراً إلى أن التعاون النووي بين البلدين يعبر عن ثقة غير مسبوقة بينهما . أما رئيس الحكومة البريطانية كاميرون فقد اعتبر المعاهدة فتحاً وفصلاً جديداً في علاقة طويلة تلزم قواتهما بالتعاون بشكل أوثق بكثير من ذي قبل في مجالي الدفاع والأمن النووي . ورأى أن هذا التعاون سيوفر مزيداً من الأمن لمواطنيهم في الظروف العالمية التي تحيط بهم وسيقوي دفاع البلدين، مؤكداً أن المعاهدة لا تشكل انتقاصاً من سيادة البلدين ولا تؤدي إلى تقاسم قوتيهما النووية ولا إلى تشكيل جيش أوروبي، بل تقود إلى تعاون عملي يسهم في توفير التكاليف .
وتنص الاتفاقية الدفاعية على إنشاء قوة عسكرية مشتركة للتدخل السريع، تشمل وحدات برية وبحرية وجوية، بحجم لواء مكون من خمسة آلاف جندي من كل بلد . ولن تكون هذه القوة دائمة لكنها ستبقى مستعدة باستمرار لعمليات ثنائية أو تحت راية الأمم المتحدة أو حلف الناتو أو الاتحاد الأوروبي، وستقوم هذه القوات بتدريبات مشتركة، وتتضمن الاتفاقية كذلك استخدام المقاتلات البريطانية حاملات الطائرات الفرنسية والعكس، وتطوير طائرات النقل العسكرية وطائرات التزود بالوقود الاستراتيجية، وطائرات من دون طيار . أما اتفاقية التعاون في المجال النووي، فتقضي بإنشاء مختبر مشترك للبحوث والتطوير النووي، وسيقوم البلدان بمحاكاة عمل ترسانتيهما النوويتين اعتبارا من 2014 .
وتمثل هذه الشراكة بداية عهد جديد من التعاون العسكري بين البلدين، وتبشر بسياسية دفاعية مكثفة بالرغم من أنها تجري خارج نطاق الاتحاد الأوروبي، إلا أنها ذات فائدة كبرى لكل أوروبا، حيث تنفق كل من بريطانيا وفرنسا نصف الإنفاق العسكري لجميع دول الاتحاد البالغة 27 دولة، كما ستسمح الشراكة لهما بالاحتفاظ بمكانتيهما بين الدول العسكرية الكبرى، على الرغم من خفض نفقات الدفاع الذي فرضته إجراءات التقشف الحالية في إطار من الاحترام الكامل لاستقلال قوات الردع في البلدين . فقد كانت ولا تزال بريطانيا وفرنسا دولتين صديقتين في وقت الأزمات منذ الحرب العالمية الأولى إلى الحروب الأخيرة في البلقان، لكن في هذا الوقت فإن التحالف ليس لمواجهة عدو مشترك وإنما لأن كل بلد منهما لم يعد بمقدوره وحده أن يلبي التزامات القوة الرئيسية، ولذلك تسعيان الآن إلى تقاسم الأعباء بدءاً من اختبارات الأسلحة النووية إلى حاملات الطائرات وتكوين قوة نخبوية للتدخل، فالردع النووي للبلدين الذي تتم المحافظة عليه وتطويره يستهلك قدراً كبيراً من الموازنة الدفاعية لكلا البلدين .
وسيكون هذا التحالف بين البلدين نموذجاً للتعاون بداخل حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، وستتبعه تحالفات أخرى في هذا المجال، كما سيحد من الشكوك البريطانية بشأن إطلاق فرنسا لمبادرات أوروبية لمنافسة حلف الناتو ودفع أمريكا بعيداً عن أوروبا، وأينما كانت هذه المعاهدة فلم يعد للدفاع معنى بعد نهاية عصر الحرب الباردة .
كاتب من الإمارات