على الرغم من الإنجازات الكبيرة التي حققتها البشرية في إنتاج الخدمات، وتلبية التكنولوجيا المعاصرة لكثير من حاجات الإنسان، فإن هناك الكثير من الحاجات الأساسية مازالت بعيدة عن معطيات التكنولوجيا المعاصرة، منها على سبيل المثال الموارد المائية . فمن يتأمل تقييم آفاق موارد المياه العذبة يجد أن البشرية قد دخلت مرحلة حرجة، حيث تواجه حالياً أكثر من خمسين دولة نقصاً في المياه نتيجة التغيرات المناخية، وأنه بحلول عام 2015 سوف يكون هناك ثلاثة مليارات فرد يعيشون في مناطق تعاني شح المياه مثل شمالي إفريقيا، والشرق الأوسط، وجنوبي آسيا وشمالي الصين . فنحو 80% من المياه العذبة في الدول النامية تُستخدم في الزراعة، وسوف تعاني تلك الدول أشد المعاناة نتيجة شح المياه، ولن تستطيع الاستمرار في سياساتها الزراعية مع شح المياه، وعدم توافر بدائل أخرى، فيكفي أن نعلم أن 1000 طن من الماء تكفي فقط لإنتاج طن واحد من القمح . وأثبتت الدراسات أن مناطق الزراعة في دول العالم الثالث تعيش حالة من غموض المستقبل، حيث يعاني شمالي الصين انخفاض منسوب المياه إلى خمسة أقدام بالسنة، والهند كذلك تعاني انخفاض منسوب المياه بمعدل يراوح بين 3-10 أقدام بالسنة . كذلك تتعرض الكثير من الأنهار في العالم إلى التقلص والجفاف، إضافة إلى بعض الأحواض الضخمة مثل بحر الأرال في أوزبكستان . إنها كارثة بيئية إن لم يتم تداركها سوف تنجم عنها مأساة كارثية خطرة تودي بحياة الملايين من البشر .
وبحلول عام 2015 ستكون تركيا كذلك، قد أكملت منظومة سدودها على نهري دجلة والفرات، وهذا سوف يشكل عقبة حقيقية أمام سوريا والعراق اللتين تشهدان تزايداً في عدد سكانهما مع زيادة الحاجة إلى المزيد من المياه . كما أن الدول التي ينبع منها نهر النيل، وكذلك دول الممر، سوف تسعى إلى استغلال أكبر كمية من مياه النيل، من أجل مشاريع التنمية لديها، ما سيخلق إشكالية في مسألة المياه بين الدول التي تمر بها الأنهار وكذلك دولة المصب، لذا فإن أزمة المياه باتت تدق ناقوس الخطر على عدد كبير من البشر في مختلف بقاع الأرض، ذلك أن حاجة العالم من المياه تفوق ما تمده الطبيعة، لذا فالقضية الأخطر الآن هي قضية شح المياه وندرتها، وينبغي أن تكون أكثر حيوية من أية قضية أخرى، فمن دون الماء لن تكون هناك زراعة ولا صناعة وبالتالي لن تكون هناك تنمية، فالماء كما هو معروف يمثل الحياة نفسها، كما يمثل كذلك مصدراً مهماً من مصادر الازدهار الدائم، وعماد حياة الاستقرار والحضارة والنمو والتطور .
وقد أكد سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، أن المياه تشكل أهمية كبرى تفوق أهمية النفط بالنسبة إلى الإمارات، مشيراً سموه إلى أن المنطقة تواجه في الحقيقة مشكلة جدّية بالنسبة إلى نقص المياه، وأضاف أنه يمكن حالياً الحصول على الماء من خلال التحلية، ولكن بعد عقود سيختلف الوضع عما هو عليه الآن، فلا توجد في المنطقة أنهار ولا توجد لدينا تقنية تساعدنا على تلبية احتياجات المنطقة من المياه العذبة لمواجهة الوضع، لذا يتوجب علينا تركيز الجهود على إجراء الدراسات والبحوث، ووضع الخطط والاستراتيجيات والحلول الملائمة التي من شأنها إيجاد السبل الكفيلة بتلبية احتياجات المستقبل، وحفظ الموارد الطبيعية وصونها لأجيالنا القادمة . ودعا سمو الشيخ محمد بن زايد إلى استشراف الآفاق واستقراء المستقبل، فالعلوم الحديثة تعتمد على الدراسات المستقبلية كإحدى العناصر الأساسية لنجاح العمل المؤسسيّ، لذا فإن حديث سمو الشيخ محمد بن زايد عن قطاع المياه يوضّح قوة الإرادة والتصميم من أجل مستقبل باسم وحياة أفضل، إضافة إلى التخطيط السليم القائم على الدراسة الجادة، ليأخذ بيد أبناء الوطن للعبور إلى المستقبل الآمن، بتوفير سبل الحياة الكريمة للأجيال القادمة، وذلك لإدراك سموه أن موضوع المياه، بوجه خاص، يعدّ من أهم المجالات المهمة التي يُسعى للبحث عنها واستكشافها واستخراجها، فسموه يجسد الرؤية المستقبلية، للقيادة الواعية التي تملك رؤية شاملة للواقع، وفي نفس الوقت تملك رؤية مستشرفة للمستقبل وقضاياه . يأتي كل هذا إيماناً بالمسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتق سموه بصفته رئيساً للمجلس التنفيذي، والسياسي المشغول دائماً بهموم الوطن والمواطن، فرسالته في الحياة هي خدمة الوطن والمواطنين، يتلمس ذلك كل من يتابع اهتماماته وهي وليدة وعي شديد، ودراسة عميقة لاحتياجات الوطن وسبل نهضته وتقدمه، ولمسيرة التنمية والبناء، فسموه يقدم صورة مشرقة لحاضر الوطن ومستقبله . حفظ الله هذه القيادة الرشيدة وهذا الكيان الشامخ وطن العز والفخار .
* كاتب من الإمارات