أشد أنواع العمل الأسود مهانة وخطراً

03:40 صباحا
قراءة 4 دقائق

في غمرة الحديث عن العودة إلى مفاوضات مباشرة، بضغوط أمريكية وبتحبيذ عربي، وبجنوح فلسطيني نحوها مشفوع بوضع شروط، فإن الحديث عن الشرط الأول وهو وقف أو تجميد الاستيطان، يدور في حلقة مفرغة، بينما البناء مستمر ولم يتوقف رغم التدليس الصهيوني عن وقف مؤقت له .

وواقع الأمر أن التوقف المؤقت منذ أواخر العام الماضي شمل فتح عطاءات جديدة لمشاريع جديدة، أما ما كان تم البدء به فقد تواصل بناؤه، ومعه ما يسمى بالبناء الحكومي والديني فضلاً عن التوسع في مبانٍ سابقة .

يبدو الطرف الفلسطيني ومعه الطرف العربي عاجزاً حتى تاريخه عن فرض هذا الشرط الذي لا يطوي بالطبع صفحة الاستيطان، ولكنه يحد فقط من نموه وتزايده إلى حين .

في رأي الأمين العام للجبهة الديمقراطية نايف حواتمة الذي زار عمان الأسبوع الماضي، إن الحركة السياسية العربية باتجاه واشنطن لا تعدو أن تكون مناشدات أخلاقية، فيما قوى الضغط داخل الكونغرس وغيره هي التي تأخذها الإدارة في الاعتبار . وهو ما يفسر انخفاض وتيرة المطالبات الأمريكية في هذا الشأن، فيما تشتد الضغوط على الجانب الفلسطيني للشروع في مفاوضات مباشرة، مع وعود بتخفيض وتيرة الاستيطان في حال استئناف التفاوض .

حواتمة يرى أن بيد الجانب الفلسطيني، إذا حزم أمره وإذا أعد الخطط المناسبة والأجواء السياسية الملائمة، أن يشل البناء في مستوطنات الضفة الغربية بما فيها المشاريع الاستيطانية في القدس، دونما الحاجة إلى توسل الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة . والأمر لا يتعلق بضربة سحرية ولا بزلازل موضعية منتقاة تهز أركان المستوطنات، بل بالتعامل الحازم مع جانب من جوانب هذه المسألة ويتصل بالأيدي العاملة التي تبني المستوطنات .

في تقدير حواتمة أن جملة قوة البناء البشرية، تعود لأبناء الضفة الغربية المحتلة، وتعداد قوة العمل هذه 32 ألف عامل . فيما تقدر إحصاءات فلسطينية رسمية نشرتها وكالة أنباء معاً قبل أسابيع، مجموع القوى العاملة ب 25 ألفاً . وأياً كان الرقم الصحيح ومع احتساب رقم تقريبي يتوسط الرقمين، ومع الأخذ في الاعتبار أن هذه الأرقام متحركة لارتباطها بحركة البناء، فإن الأمر الثابت والمشين أن هناك أيدي عاملة محلية تجد نفسها تحت ضغط الأعباء المعيشية واستفحال البطالة، مدفوعة للانخراط في هذا العمل الأسود . . الحالك السواد، فيما لا يتجند المجتمع (القطاع الخاص) والسلطة لا ستيعاب هؤلاء أو سد حاجات جزئية مؤقتة لهم، تدرأ عنهم الانغماس في مشاريع تطيل عمر الاحتلال، وذلك في الوقت الذي لا تتوقف فيه سلطة الاحتلال الغاشمة عن تنفيذ سياستها المنهجية في هدم البيوت .

واقع الحال ان أحداً لا يبدي رضاه عن هذا الوضع الشاذ، بمن في ذلك العمال أنفسهم الذين سدت في أوجههم سبل الرزق، شأنهم شأن 200 ألف عامل ينوؤون تحت وطأة البطالة الجزئية أو الدائمة . وسبق لوزير الاقتصاد حسن أبو لبدة أن دعا العاملين في المستوطنات للكف عن العمل بها والانضمام إلى جيش العاطلين عن العمل، حتى أنه حدد مهلة زمنية لهؤلاء كي ينفضوا أيديهم من ذلك العمل الأسود . وقد انتهت هذه المهلة قبل أشهر دون أن يتغير شيء . قد تبدو دعوة الوزير محقة في المنظور السياسي الخالص والوطني المجرد، غير أن واجب الحكومة ومعها القطاع الخاص قبل ذلك وبعده، أن توفر لهؤلاء الحد الأدنى من لقمة العيش وفرص العمل وأن تعدهم بشيء آخر غير البطالة .

وكانت حكومة فياض أعلنت عن إنشاء صندوق كرامة تكون من مهماته توفير تمويل للتعويض عن العمال الذين يتوقفون عن العمل في المستوطنات . وليس معلوماً أين وصل العمل في إنشاء هذا الصندوق وضمان التمويل اللازم له، غير أن الحكومة اتخذت خطوات إيجابية وسنت قوانين تحرم تداول منتجات المستوطنات، وهي منتجات تتمتع بدعم من الاحتلال بما يجعل أسعارها زهيدة للمستهلكين .

ليست هناك حتى تاريخه قوانين تحرم وتجرم العمل في الاستيطان، وهناك الآن كما من قبل حاجة ماسة إلى إصدارها وتفعيلها، جنباً إلى جنب مع تخصيص موارد لاستيعاب عمالة الاستيطان، مع إطلاق تعبئة وطنية لمقاطعة كل ما يتعلق بالاستيطان، واعتبار ذلك معركة وطنية من الدرجة الأولى .

خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن سلطات الاحتلال لا تكتفي بتشغيل هؤلاء كعمال سُخرة، ولكنها تستغل وجودهم للتحكم بهم، ودفعهم للعمل معها بصور شتى وبضغوط مختلفة كيما يصبح هؤلاء مخبرين ومتعاونين على زملائهم وعلى شعبهم . وبذلك يزداد ويتفاقم خطر هذه الظاهرة التي تثير أعمق مشاعر المرارة، غير أن الأوان لم يفت للتصدي لها بصورة ناجعة، وإن اتخذت طابعاً متدرجاً وضمن أمد زمني قصير .

وفي القناعة أن مواجهة هذه الظاهرة وسحب اليد العاملة بصورة نهائية ولا لبس فيها، يوجه ضربة لمشاريع الاستيطان، ويرفع من وتيرة التماسك الوطني ويشد النسيج الاجتماعي، وتركيز الضوء على الظاهرة من شأنه أن يدلل على أن هناك ما يمكن عمله لمناهضة الاحتلال والاستيطان، بدلاً من مداومة بث المناشدات للإدارة الأمريكية أو وضع شروط لا تصمد طويلاً أمام الضغوط الخارجية والوعود الخلابة .

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"