عندما تتراجع حكومات عن فرض عمومية القوانين، وعن الأخذ بمبدأ المواطنة كركن لتدبير الشأن العام، وحين تكف عن مراجعة قوانين بالية، فإنه لا يغدو غريباً أن يرد لها المجتمع بالتحية فيأخذ بدوره بالتفكك وتتحول الانتخابات العامة والمحلية إلى مناسبة للتنازع الجهوي والعائلي، وإشهار الهويات الضيقة والنظر إلى التمثيل الشعبي باحتسابه فرصة للوجاهة لكسب المغانم والنفوذ المصلحي .
هذا هو حال الانتخابات في غير دولة عربية . ومع أنه لا يفترض بكل مناسبة انتخابية أن تحقق تقدماً في نوعية ونطاق التمثيل أو أن تفرز قوى سياسية حية وجديدة، فقد تدور الأمور في حلقة مفرغة، إلا أن الحال هنا لا يتعلق بجوانب سياسية وأيديولوجية تخص متنافسين فائزين وخاسرين، ولكنه يتصل ببدء اضمحلال التيارات السياسية ونشوء تجمعات ومصالح أهلية فئوية ومتضاربة، لا تجد لها فسحة من الالتقاء مع شاغل وطني عام ومع حقوق بقية المواطنين أيا كانت انتماءاتهم، سوى بالإنشاء اللفظي والعبارات العمومية التي لا تطمس الانغلاق الفعلي مع تراجع حضور الأحزاب (متى وجدت) والنقابات والجمعيات، والإنفاق بالغ السخاء على الحملات الانتخابية كما هو الحال في إنشاء مشاريع استثمارية .
مع تفشي هذا الوضع فإن التداعيات السلبية تتالى، فلا النظام السياسي يصبح قابلاً للتطوير ولا التنمية الشاملة المتوازنة تتحقق أو يجري السير بها، ولا تجد الأزمات المتعلقة بالفقر والبطالة حلاً لها، وينقطع الحوار الوطني الجدي، وفي المجمل فإن البيئة العامة تظل تراوح بين السكون والتكرار بغير تجديد في أنماط العمل العام، وتتفشى مشاعر التذمر والشكوى إلى جانب التوترات الاجتماعية .
يتساءل معلقون عن حق عن جدوى الانتخابات وعن مآلاتها على العملية الديمقراطية، ويرصدون أوجه قصورها وحتى انعكاساتها السلبية على النسيج الاجتماعي .على أن العلة تكمن جزئياً في هذه المناسبة، وذلك بما يتعلق بالقوانين النافذة التي تنظم العملية الانتخابية حملات وترشيحاً واقتراعاً وإشرافاً، وفي أحيان أخرى مدى الصلاحيات الممنوحة للمجالس التشريعية . إذ قبل ذلك وبعده فإن المسؤولية تقع على الرؤية الكامنة وراء تنظيم هذه المناسبة: هل هي مهرجان لديمقراطية شكلية للحفاظ على نسق قائم مع تغيير في الوجوه، ومع تمنين المواطن بفرصة الإدلاء بصوته لا لحزب أو تيار سياسي أو تجمع فكري بل لمرشحين لا يعرف من أمرهم شيئاً، أم أن الهدف هو توسيع دائرة التمثيل، وتمكين سائر القوى السياسية والفاعلين الاجتماعيين من التنافس الحر وجعل الموسم الانتخابي فرصة للتثقيف والحوار، وصولاً إلى مشاركة سياسية واسعة يتحمل الجميع فيها أعباء النهوض ومواجهة التحديات بروح واقعية رائدها الإصلاح الفعلي؟
من دواعي الأسف أن الرؤية الأولى هي الغالبة، والإخفاقات السابقة في إخراج مجالس تشريعية ذات صفة تمثيلية جدية، لم تدفع إلى استخلاص الدروس بل إلى أساليب من الوقاية، تعيد إنتاج المشكلات نفسها بعدما تتراكم هذه وتشتد حِدّتها .
والمشكلة بعدئذ أن التشكك العام في المسار الديمقراطي، خاصة في جانبه المتعلق بالانتخابات، يؤدي إلى خسائر تشمل الجميع حكاماً ومحكومين، فالتطرف يجد أرضاً خصبة له مع ما يبدو من انسداد آفاق الإصلاحات، وهو تطرف لا يتخذ بالضرورة سبل أنشطة مسلحة تناهض السلطات، كما كان الحال في أوقات ماضية وظروف سابقة مع الإسلاميين بالذات، لكنه يتخذ هذه المرة سبل تنازع حاد بين مكونات المجتمع وحتى بين أفراده الذين يضعون أنفسهم في منزلة رموز وزعامات .
وهنا يكمن التحدي، فتذرر المجتمعات وتحصن وحداتها في ما يشبه معازل عائلية ومناطقية وطائفية، والإمعان في طرح مطالب فئوية، ينعكس سلباً على تماسك السلطات ونهوضها بدورها في الولاية على أراضيها ومواطنيها اذ يشكل بذرة لتمردات على السلطات والتشكيك بها .
والحل بعد هذا وقبله هو في الاستجابة لداعي بناء دولة حديثة، بعد نحو نصف قرن من الفشل والتحديث الشكلي، ومن الالتفاف على توسيع القاعدة الاجتماعية والتمثيلية بصور شتى أدت إلى التمركز في نُخب بعينها . . دولة يقوم فيها الفصل بين السلطات الثلاث، والاحتكام إلى القانون وعموميته مع العمل على تطويرها وعلى الأقل مراجعتها دورياً، وقطع دابر العنف الداخلي بما في ذلك الحد من حيازة السلاح وصولاً إلى منع حيازته لضمان السلم الاجتماعي، وتمكين المجتمع من بناء مؤسسات حديثة من أحزاب ونقابات وجمعيات ومنابر إعلامية وثقافية، تحاكي أفضل التجارب في عالمنا، وتحقيق تنمية مستدامة متوازنة تستفيد منها الأطراف النائية والمناطق المهمشة والشرائح الضعيفة، وتتصدى لمشكلات السكن والمواصلات والصحة والتعليم، وسوى ذلك فإن التقهقر إلى الوراء لن يقف عند حد .