تبديد للمناعة

05:24 صباحا
قراءة 4 دقائق

كان من الطبيعي أن تبدأ المفاضات المباشرة في واشنطن في أجواء باهتة، وكما هو الحال مع استقبال شريط سينمائي يُعاد بثه للمرة الخامسة . باستثناء المضيفين، يتعذر وجود متحمسين لهذه المفاوضات، فهي تتم من دون إبداء أي تعهدات جدية، وبغير مرجعيات تذكر، وبلا جدول زمني، ومن دون رعاية دولية حتى من المضيفين الذين قد يتدخلون من دون أن يشاركوا مشاركة فعالة، تاركين للطرفين أي للطرف الأقوى تقرير وجهة هذه الجولة من التفاوض .

فلسطينياً، والحديث هنا عن الرأي العام للرازحين تحت الاحتلال، هناك حالة إحباط، إذ يجري التناغم مع الإرادة الدولية تفهمها والتجاوب معها بعد ممانعات قصيرة النفس من قبيل: يتمنعن وهن راغبات فيما الإرادة الوطنية الذاتية غائبة ويقوم أصحابها بتهميشها . كان الحديث يدور منذ أسابيع فقط عن عدم الانتقال إلى مفاوضات مباشرة إذا لم تحقق غير المباشرة تقدماً في الملفات الأساسية . لم يقع التقدم وجرى الانتقال إلى المباشرة . قيل إن بيان الرباعية الدولية سوف يشكل مرجعاً وهو ما نفته تل أبيب ولم تؤكده واشنطن .عملياً هناك رهان على وعود أمريكية وثقة بلا حدود بتطمينات الرئيس أوباما والوزيرة كلينتون، مع تجاهل أن رغباتهما في حال توافرها ليست كافية للاقلاع . فالأمر يشبه الحال في العام 1991 إذ يراد تسويق تقدم شكلي يقوم على إحياء عملية السلام بدلاً من تحقيق السلام على الأرض، وذلك لمواجهة ايران وكسب الرأي العام العربي والإسلامي، فيما كانت المواجهة آنذاك مع العراقالنظام العراقي السابق . وبالمناسبة فإن أوباما ليس سيئاً ولعله ثقافياً وفكرياً من أفضل الرؤساء الأمريكيين في النظرة إلى العالم العربي والإسلامي، لكنه يبدو عاجزاً حتى الآن عن ترجمة رؤاه، ويصطدم بالمؤسسة الراسخة: التشريعية والعسكرية ومواطن النفوذ الأخرى للوبي الاسرائيلي والمتصهين بما يدفعه عملياً للتراجع وإعادة النظر .

نذكر أنه تعهد بالعمل لمعالجة الصراع ابتداء من اليوم الأول لانتقاله إلى البيت الأبيض، وقد أوفى بوعده من حيث الشكل بإيفاد مبعوثه جورج ميتشل إلى المنطقة، غير أن خطته أو مشروعه لمعالجة الصراع لم تر النور بعد . تبدو المفاوضات المباشرة في هذا الضوء حلاً تلفيقياً، للظهور بمظهر الوفاء بالوعود، وها هي اللعبة تستأنف بلا قواعد أو قوانين لها . والطريف أن الاسرائيليين أنفسهم غير متحمسين لها، فالأقلية التي تنشد السلام، لا تريد دفع مستحقاته بالكامل من جهة ولا تثق بنوايا نتنياهو وحكومته من جهة ثانية . أما أهل اليمين وهم الكثرة الكاثرة فتنتابهم الشكوك بالقدرة على فرض استسلام على الجانب الفلسطيني، ويستعيضون عن ذلك ب الكفاح من أجل الحلم الصهيوني وهذا الحلم يقوم على الاستيلاء على أكبر مساحات من الأرض وتهجير أبنائها ليس إلى الدول العربية المجاورة بالضرورة، التي وضعت قيوداً على ذلك، بل إلى المنافي الأوروبية وسواها، كما يحدث على نطاق واسع في صفوف المسيحيين الفلسطينيين وسواهم، وحين يعز ذلك يتم حشر الجميع في كانتونات وتوجيه كل أشكال الضغوط الشرسة عليهم، حتى يصبح مجرد البقاء على قيد الحياة هدفاً عزيزاً .

من المفارقات أن رعاة هذه المفاوضات كما المشاركين فيها يدركون مدى انخفاض التوقعات كما تبيّن في الكلمات الافتتاحية، عشية الثاني من سبتمبر الجاري، غير أنهم يريدون المحاولة . حسناً، لكن المسألة لا تتعلق بخلافات زوجية ولا منازعات شركاء في مؤسسة اقتصادية ولا حتى نزاعات حدودية بين دولتين، حتى تغدو محاولة التقريب طيبة بحد ذاتها حتى لو لم تؤد إلى نتائج . فالأمر يتعلق هنا باحتلال وحشي طال أمده وإنكار حق تقرير المصير لشعب كامل، والهزء بالقانون الدولي وضرب القرارات الدولية عرض الحائط، والاحتكام السافر إلى القوة العارية والتطهير العرقي والنجاة الدائمة من العقاب .

ليس ما تقدم مصادرة على المطلوب أو استعجالاً للمكروه، فالمرء ينشد مفاوضات ذات معنى تنتهي خلال أمد زمني قصير باستعادة الأراضي والحقوق وعودة اللاجئين والنازحين، وإحلال سلام يستحق اسمه . وحتى فشل التفاوض قد لا يشكل شراً ولا يعتبر نهاية الدنيا، إذا ما توافرت بدائل جادة من قبيل إطلاق مقاومة مدنية ناشطة ومقاطعة الاحتلال على جميع المستويات ورفع الروح المعنوية للناس وإشاعة الوحدة الوطنية على هدي برامج مشتركة متفق عليها . غير أن ما يحدث هو شيء آخر، فهناك وثوق شبه كامل بوعود أمريكية وإطفاء لروح المقاومة حتى المدنية منها، مع تصورات هزيلة للتفاوض تجعلها مجرد محاججات ومناظرات ومباحثات، وليست شكلاً من أشكال الصراع وامتداداً لإرادة سياسية متحققة على الأرض . وفي واقع الأمر أنها كذلك لدى الجانب القائم بالاحتلال، أما الطرف الآخر فيتطلع لنوايا طيبة وإرادة حسنة تلاقي نشدانه للسلام .

إن الغرض هنا ليس التشكيك بالنوايا والطعن بوطنية أحد، بقدر ما هو التخوف الشديد من نتائج مرتقبة تقود اليها مقدمات خاطئة . فحين يتجرد أحد طرفي التفاوض من أوراق القوة والمنعة، وحين يصبح التفاوض خياره الوحيد، وحين لا يتسلح بأية ضمانات أو مرجعيات، ففي هذه الحالة يتعذر انتظار أن يثمر الشوك عنباً أو أن يروي السراب عطش الظمآن .

وحتى مع الأخذ في التوقع أن الجانب الفلسطيني سوف يصمد ولن يتراجع عن ثوابت وطنية وسياسية، ثم تصل المفاوضات إلى جدار مسدود كما في تجارب سابقة في كامب ديفيد وطابا، فإن المشكلة التي تحف بذلك أن العدو سوف يكسب في اثناء ذلك الوقت في التمدد الاستيطاني، وفي التنكيل بالشعب وتهويد القدس واستكمال بناء الجدار في عمق الضفة الغربية، فيما الحديث الدولي سوف ينصرف حينذاك على ضرورة معاودة الكرة باستئناف التفاوض وعدم الاستسلام لليأس إلى آخر المعزوفة، ما يعني مراكمة الخسائر ليس إلا .

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"