يصعب القول إن كانت هناك مفاوضات غير مباشرة تدور على المسار الفلسطيني الاسرائيلي أم لا . سبق لصائب عريقات رئيس دائرة المفاوضات أن أشار إلى أن هذا التفاوض قائم عبر المبعوث الأمريكي جورج ميتشيل، علماً أن الأخير سبق له ومنذ ربيع العام 2009 أن قام بجولات شتى نقل فيها رسائل ومواقف بين الطرفين، فهل يحتسب دور ساعي البريد بمثابة إجراء مفاوضات؟ أما الرئيس عباس فأشار إلى أن نجاح هذه المفاوضات غير المعلوم إن كانت دائرة أم لا، سيمهد للعودة إلى التفاوض المباشر، لكنه لم يتحدث على الأقل لوسائل الإعلام عن الحالة التي قد تدفع لوقف هذا التفاوض غير المباشر .
أما الطرف الآخر فما أن تم الإعلان قبل أسابيع عن القبول الفلسطيني بتفاوض غير مباشر عقب ضغوط أمريكية وإقليمية، حتى أخذ يردد على لسان نتنياهو بالذات أن لا بديل عن مفاوضات مباشرة، بعد أن كان يطالب من قبل بمجرد استئناف التفاوض وبأية صيغة كانت . والقصد من هذه النقلة هو تحميل الجانب الفلسطيني مسؤولية الجمود ووضعه تحت ضغوط دائمة، وإفشال الجولة الجديدة من المفاوضات مسبقاً، وصرف الأنظار عن النشاط الاستيطاني المحموم .
من الواضح أن هذه البلبلة تجري على إيقاع الشد والرخي بين واشنطن وتل أبيب، حول الاستيطان والتنسيق بين الجانبين حول إجراءات التسوية . تشدد تل أبيب إذ يعكس خياراً ايديولوجياً جذرياً ويتساوق مع طروحات اليمين الصهيوني الأشد تطرفاً، إلا أنه على المستوى السياسي يعكس تشدداً إزاء إدارة الرئيس أوباما التي سعت منذ البداية لمنح التسوية زخماً جديداً، فيما تمسكت حكومة نتنياهو وما زالت برؤية مفادها بأن الأولوية ينبغي أن تُمنح لمواجهة الملف النووي الإيراني، ول تعاظم قدرات حزب الله في جنوب لبنان . والمواجهة المقصودة عسكرية بالطبع لا سياسية . تفسر تل أبيب عقوبات مجلس الأمن الأخيرة على طهران على أنها تُزكي خيار التصعيد العسكري، فيما تضعها واشنطن ومعها موسكو وبكين في إطار ضغوط من أجل دفع طهران لاستئناف التفاوض حول الملف النووي .
في هذه الأثناء فإن سلوك تل أبيب يشي بأن التفاوض مع الفلسطينيين، مجرد مسرحية كلامية ذات عروض لا تتوقف، ومتاحٌ متابعتها لمن يرغب بتغذية مشاعر التفاؤل لديه، أما التفاوض الصراعي فيتم في القدس كما في البحر المتوسط والجولان، ثم في التحضيرات العسكرية قريباً من الحدود مع لبنان، وفي ما يبقى بعيداً عن التداول بشأت تحضير ضربة لمواقع ومنشآت إيرانية .
بعد الهجوم الوحشي على أسطول الحرية في عرض البحر، زادت وتيرة مطالبة السلطة الفلسطينية برفع الحصار عن غزة، من دون التأشير إلى انعكاس ذلك على المفاوضات . ذلك التطور على بساطته وبداهته في الخطاب السياسي، عكس مؤشراً جيداً على أن التفاوض الصراعي لا يُحسم وراء غرف مغلقة وعبر وسطاء، بل على الأرض وفي البحر . فكل تفاوض يكون عقيماً وعبثياً إذا كان مقطوع الصلة بميزان القوى المتحرك بالوقائع الحسية التي تجري في بيئة الصراع . ولما كانت هذه الوقائع تعكس جموحاً في التوسع الاستيطاني وفي التنكيل بشعب محاصر في شطري الوطن، فإن المنطق والمصلحة يقضيان بمنح الأولوية للصمود في مواجهة هذه المخططات، وجذب الاهتمام الدولي للعمل على وقفها، فإذا أصابت مثل هذه الجهود نجاحاً فإنه يمكن بعدئذ للتفاوض أن يحمل معنى .
الموقف الصائب تجاه الحصار على غزة، يستحق ويتطلب تعميمه كي يشمل سائر ممارسات الاحتلال ثم وجود الاحتلال ذاته، ومثل هذه الصلابة لا تعيق بداهةً التفاوض، بل على العكس توفر بيئة مناسبة لاشتباك تفاوضي لاحق .
لقد تمت الدعوة للربط الوثيق بين الأوضاع في مجمل أنحاء الوطن المحتل، والتحذير من تظهير صورة يبدو فيها أن هناك قضية خاصة بقطاع غزة وأخرى تتعلق بالضفة الغربية، وهو ما يتطلب بذل جهد سياسي كفاحي رسمي وشعبي، عنوانه فك الحصار ورفع الاحتلال عن شطري الوطن سواء بسواء، وهو ما يقضي أيضاً بالكف عن الصراع المقيت على النفوذ بين فتح وحماس، وذلك بالتوحد والانتقال لكسر نفوذ الاحتلال هنا وهناك، بما يعنيه ذلك من إعفاء المواطن في الضفة والقطاع من أعباء صراع فصائلي، يضاعف من معاناته الوطنية ويضعف من صموده أمام العدو .
أما التفاوض المبهم الذي يجري ولا يجري، فهو يستحق مزيداً من الإيضاح ما دام يمثل جزءاً من الحركة السياسية وليس مجرد نشاط بيروقراطي فوقي، ولا يعقل أن يكون الرأي العام آخر من يعلم حول تطورات ومستجدات تتعلق بقضيته الوطنية ومصيره السياسي، أو أن تبقى الحركة المدنية الشعبية مجمدة، ومرهونة بغموض غير بناء يتعلق بالمسار التفاوضي، فالأصل في الأشياء أن يعكس التفاوض قناعات الرأي العام بمختلف شرائحه وقطاعاته وخلاصة حوارات وطنية مديدة، لا أن يتم وضع الحصان وراء العربة، والإيهام خلال ذلك أن هناك حركة . . تدور، والأصل هو دعم الصمود الشعبي وعدم الانقطاع عن الناس، وفرض قضية الخلاص الوطني على جدول الأعمال الاقليمية والدولية، وذلك من أجل استثمار هذا الصمود في تفاوض ذي معنى .