كتب – بنيمين زرزور
تفردت الولايات المتحدة ااستخدام العقوبات الاقتصادية من أجل الابتزاز السياسي، وتباهت بها، حتى أدمنت استخدام هذا السلاح، رغم أن الإجراءات التنفيذية والهيئات المنوط بها متابعة تلك العقوبات، بلغت حداً من الاستهتار، عَرَّضَ المصالح الأمريكية لأضرار بالغة.
بين مشكك في جدوى العقوبات الاقتصادية داخل دوائر صنع القرار، ومتحمس لها أو محرض عليها، اكتسبت هذه السياسة سمعة سيئة في العلاقات الدولية، نتيجة تعريضها قنوات التواصل المالي والتبادل الاقتصادي لأزمات متتالية، تصاعدت في الآونة الأخيرة حتى تحولت إلى كابوس يهدد جياع العالم، بعد حرب أوكرانيا، مع شح الموارد الغذائية، خاصة الحبوب.
وفي أحدث سجال حول العقوبات، قال ثلاثة مسؤولين أمريكيين سابقين، قبل أيام، إن مقايضة الغاز الطبيعي الإيراني بالنفط العراقي من المرجح أن تنتهك العقوبات الأمريكية على طهران، ما لم تصدر الولايات المتحدة إعفاء يسمح بذلك.
وقال ريتشارد جولدبيرج من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات: «سيكون إجراء هذا النوع من صفقة المقايضة مع إيران انتهاكاً للعقوبات الأمريكية في حالة عدم إصدار موافقة من مكتب الأمن القومي الأمريكي».
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2022، كانت نسبة 70% من مصانع الأسمدة الأوروبية و 50% من الطاقة الإنتاجية للألمنيوم غير متصلة بالعالم، بسبب نقص الطاقة، حيث شلت عقوبات الطاقة التي فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا رداً على حرب أوكرانيا، قدرات القطاع. واضطرت شركات كبرى منها «أرسيلور ميتال» و«بي إيه إس إف»، لوضع خطط للانتقال إلى الصين أو الولايات المتحدة للهروب من ارتفاع تكاليف الطاقة.
قانون هيلمز- بيرتون
ليس استخدام العقوبات حديث عهد في سياسات واشنطن. فقبل منتصف التسعينات، لم يكن مفروضاً على الشركات غير الأمريكية الامتثال للإجراءات المفروضة على قائمة الشركات الأمريكية التي قالت إنها غير عادلة. ومع إقرار قانون هيلمز- بيرتون عام 1996، أصدرت الولايات المتحدة مرسوماً يقضي بمنع الشركات الدولية من التعامل مع كوبا. ومع ذلك، بدلاً من عزل هافانا أو تغيير النظام، فإن نظام العقوبات الأمريكي دفع كوبا إلى أحضان أعداء أمريكا، بما في ذلك الصين.
وهناك عواقب أخرى لقلق الشركات من انتهاك العقوبات بلا ضوابط. فقد نشأت في السوق الأمريكية قطاعات بأكملها للتعامل مع تعقيدات نظام العقوبات الأمريكي، حيث يعمل مئات الآلاف من الأشخاص في متابعة قضايا الامتثال المالي.
وعندما تطال العقوبات كياناً ما، تستهدفه العقوبات الأمريكية من أجل إضعافه، غالباً ما تسفر عن نتائج خارج الحسبان. فعلى سبيل المثال، لم يكن مشروع حقل «بارس» النفطي الإيراني العملاق في أوائل عام 2010 خاضعاً للعقوبات في الأصل، كجزء من خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015 (أو الاتفاق النووي)، وسُمح للشركات الأوروبية أخيراً العمل في إيران دون الخوف من العقوبات الأمريكية. لكن عندما فاز دونالد ترامب بالرئاسة في عام 2016، كان أحد مكونات سياسته الخارجية هو أن يكون أكثر صرامة مع إيران، بما في ذلك استخدام العقوبات على شركة «توتال» الفرنسية التي تطور الحقل، للتأكد من أن أي شركة أوروبية لن تدخل في عمليات استثمارية في إيران. وانتهى الأمر بسيطرة الحرس الثوري على المشروع. وبالتالي تمت مكافأة المجموعة التي تنوي الولايات المتحدة أن تلحق الضرر بها عن طريق العقوبات.
هيمنة الدولار
وبالنسبة لروسيا، فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية عام 2017، عقوبات على أوليغ ديريباسكا، الملياردير الروسي الذي له علاقات قوية مع الكرملين، إلى جانب شركة الألمنيوم الروسية «روسال»، ثاني أكبر منتج للألمنيوم في العالم، التي يملك ديريباسكا ثلثها. وبهذا الإجراء سرعان ما أربكت العقوبات الأمريكية أسواق الألمنيوم العالمية، إلى أن تم توقيع صفقة مع ديريباسكا رفعت بموجبها بعض العقوبات ليعود الاستقرار إلى السوق.
ويبدو أن الخلل الأساسي يكمن في طريقة تنفيذ الحكومة الأمريكية للعقوبات. ويشير مكتب المساءلة الحكومية إلى أن «الوكالات الفيدرالية لا تجري تقييمات شاملة تقيس مدى فعالية العقوبات في تحقيق أهداف السياسة الخارجية للولايات المتحدة». ولا يتناسب حجم المتابعة والتقديرات التي تسفر عنها حول التأثير المحدد للعقوبات، مع كم العقوبات التي تفرضها واشنطن.
ومعلوم أن ما يمنح واشنطن القدرة على فرض عقوبات مع مثل هذه الحصانة والقليل من التبصر، هو الهيمنة العالمية التي يتمتع بها الدولار. وتستخدم واشنطن التهديد بالحرمان من عملة الاحتياطي العالمية في إلزام حكومات الدول الأخرى بما تفرضه من قرارات فيما يخص العقوبات التي لم تعد عمليات التحايل عليها تؤتي الكثير من الثمار.
وقد اتبعت بعض الدول أساليب مختلفة للالتفاف على العقوبات الأمريكية، وحققت نتائج متباينة. ومن الأمثلة على الفشل نظام «انستكس» وهو نظام تعاملات معقد يهدف إلى تسهيل المعاملات مع إيران. لكن بعيداً عن كونه ضربة للعقوبات الأمريكية، انتهى الأمر بفرض قيود شديدة على «انستكس» بسبب مخاوف المتعاملين به من انتهاك العقوبات. أما الصين فقد اعتمدت تقنية «سي أي بي إس» التي يفترض أن تحل محل نظام الرسائل المالية السريعة بين البنوك «سويفت»، لكنها لم تكن قوية بما فيه الكفاية، خاصة وأن التعامل كان محصوراً في العملة الصينية «الرينمنبي».
بطاقة «مير»
ولجأت روسيا إلى نظام بطاقات «مير» للالتفاف على العقوبات الأمريكية. لكنها تواجه صعوبات في الحصول على الرقائق لطباعة البطاقات المصرفية، بسبب مشكلات سلاسل التوريد. بالإضافة إلى ذلك، أوقفت دول مثل تركيا وأوزبكستان قبول بطاقة «مير» خوفاً من العقوبات الأمريكية والحرمان من الدولار الأمريكي. واتسعت دائرة المخاوف من استخدام بطاقات «مير» لتشمل عدم القدرة على تتبع ما إذا كان مستخدمها قد تعرض للعقوبات أم لا.
كما فشلت محاولات التحايل على العقوبات الأمريكية عبر الابتكارات الرقمية الحديثة. فقد بذل مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي جهداً كبيراً لإلغاء استخدام العملة المشفرة للالتفاف على العقوبات. وفي أغسطس/آب 2022، فرض المكتب عقوبات على منصة «تورنادو كاش» التي تسمح بإخفاء معاملات العملة المشفرة، ما يجعل من الصعب تتبع مصدر الأموال ومآلها. ونجح المكتب في إعداد نسخة احتياطية لمستودع الكود الخاص بالمنصة، ما سمح باستنساخ الخدمة، الأمر الذي أدى إلى تراجع عملياتها بشدة.
والخلاصة أن العقوبات ربما تكون قد بلغت حدها الأعظم، لكن ذلك لا يعني أنها ليست فعالة. وفيما يتعلق بالمواجهة مع الصين لن تتوانى الولايات المتحدة عن استخدام أي سلاح يضمن عدم حصول بكين على التقنيات العليا المبتكرة أياً كان مصدرها.