رؤى من الماضي القريب

05:39 صباحا
قراءة 4 دقائق

لا يمر أسبوع على دولة الإمارات من دون أن يكون هناك مؤتمر أو ندوة أو محاضرة أو دراسة علمية اقتصادية أو اجتماعية تقدم توصيات هي خلاصة أوراق عمل قدمت، أو نتائج لأبحاث علمية أو رؤى لأصحاب التجارب والخبرات وبيوت الاستشارات . ومن الأكيد أن ملايين الدراهم تصرف سنوياً لعقد تلك المؤتمرات وتقييم تلك الدراسات والتوصل لتلك النتائج، ولكن من الواضح أن ثمة من لا يقرأ وإن قرأ لا يستفيد من التجارب الماضية ولا يعتد بالنتائج والتوصيات العلمية للدراسات أو المؤتمرات . والدليل أننا نكرر الأخطاء نفسها، ولا نتعلم من دروس وتجارب الآخرين إلا أقل القليل .

قراءة لوثيقة كتبت في عام 1968 أي قبل أكثر من أربعين عاماً تدرس الوضع الديمغرافي والاقتصادي في الإمارات تقول إن الباحثين عن الرزق في الإمارات الشمالية قد توجهوا إلى الكويت وقطر والبحرين وأبوظبي وقد ينجذبون إلى دبي للبحث عن فرص عمل جديدة . وبالطبع فإن التقدم في مؤسسات التعليم سوف تدعم هذا الاتجاه وكذلك تحسن وسائل النقل والمواصلات، وسوف يؤثر هذا التغير في قطاعات اقتصادية تقليدية قد تتعرض للاهمال مثل الزراعة والصيد . وسوف يزداد الطلب على العمالة الأجنبية لكافة مستويات الاقتصاد، وسوف تكون لهذه الخطوة تداعيات اقتصادية- سياسية . اقتصادياً سوف نرى التداعي الواضح في ميزان المدفوعات، حيث سوف يحول الأجانب جزءا من دخولهم إلى الخارج مما يمثل خسارة ملموسة للاقتصاد المحلي . . سياسياً، في حال منع العمالة الوافدة من القدوم فإن الواجبات التي يتولونها لا يمكن القيام بها، وبالتالي يتوقف تنفيذ خطط التوسع الاقتصادي المرجو (وهذا سوف تكون له نتائج سياسية ملحوظة) . . . إن العمالة الوافدة من الضروريات وسوف تظل كذلك في المستقبل المنظور .

فيها أيضاً إن تدفق المهاجرين وبتلك الأعداد قد أحضر معه قضاياه الخاصة، حيث ظروف السكن في المنطقة ككل غير مناسبة (خاصة في بعض الإمارات)، وسوف تظهر في المستقبل المنظور مشاكل سكنية من الصعب التخفيف عنها على المدى القريب .

دراسة أعدتها مجموعة من المستشارين الأجانب الذين كلفتهم بريطانيا، بصفتها المسؤولة آنذاك عن المنطقة ككل، وضعها . وقد حذرت الدراسة من العمالة الأجنبية غير المقننة ومن تبنى الخطط الانمائية غير المدروسة ومن الإفرازات الاقتصادية التي قد تضر بأمننا القومي ومن التوافد الأجنبي على بقعة صغيرة غير مهيأة لاحتضان كل هذا الكم الهائل من البشر .

الى هنا تنتهي هذه الدراسة، ولكن ما يثير التساؤل أننا أعددنا بعدها دراسات أخرى وعقدنا المئات من المؤتمرات منذ بداية السبعينات وحتى الآن لكي نتوصل لنفس تلك النتائج . فمعظم القضايا التى نعتبرها الآن تحديات ومعوقات بنيوية هي قضايا معروفة ومتوقعة في ظل هذه الطفرة التي تشهدها المنطقة ككل، وفي ظل المتغيرات الاقتصادية الهائلة التي تشهدها منطقة الإمارات والتي انعكست على التركيبة الديمغرافية بشكل عام . إذن لماذا نفاجأ الآن بوضع سكاني نعتبر أنه فريد، وبوضع اقتصادي قد يضر بمصلحتنا القومية العليا، وببنية حضرية مغايرة لبنية المجتمع الأصلي وبدخول ثقافات غريبة ولغات عديدة أثرت في ثقافة المنطقة ككل، لماذا لم نأخذ بتلك النتائج العلمية التي قدمتها بيوت الخبرة منذ أربعة عقود ونعمل على تفادي الكثير من الإفرازات السلبية التي رافقت عملية الانتقال من مجتمع تقليدى إلى حضري؟ هذه التساؤلات نطرحها بين الفينة والأخرى قبل أن نعاود انغماسنا في حياتنا اليومية وقبل الاستعداد لمؤتمر آخر لنسمع بعده التوصيات نفسها .

إن بعض الإفرازات السلبية التي ظهرت في مجتمعنا خلال العقود الأربعة الأخيرة كان في الإمكان تلافي بعضها أو التقليل من ضرر البعض الآخر لو كنا نستفيد من دروس الماضي وتجارب الآخرين . الدراسة كانت قد حذرت من قضايا مهمة أولاها الانهمار السكاني على بقعة من الأرض غير مهيأة على الاطلاق لاستقبال هذا الكم البشري الهائل، ومتطلباته وما يترافق معه من مشاكل اجتماعية، وثانيتها قضية التحويلات المالية الأجنبية إلى الخارج والتي تمثل انهاكاً للاقتصاد الوطني وهدراً للموارد المالية، وثالثتها قضية البنية التحتية التي يجب أن نعمل على إنشائها لتخدم متطلبات التغير السكاني والنمو المتوقع له . قضايا ثلاث مهمة ما زلنا حتى اليوم نعاني من عدم القدرة على التكيف مع متطلباتها أو العيش معها .

إن ما يحدث في مجتمعنا اليوم ليس لغزاً عصياً على الحل بل هو قضية منطقية ومتوقعة . فالمتعارف عليه علمياً أن لكل فعل ردة فعل مشابهة . فلا يجب أن نتوقع أن نفتح أبواب المجتمع على مصاريعه ثم نفاجأ بدخول أعداد كبيرة من المهاجرين بكل متطلباتهم من سكن وطرق وخدمات صحية وتعليمية، ولا نتوقع أن نسوق بلدنا ولا أن يأتي إلينا الراغبون في الشراء من كل جنسيات العالم حاملين معهم ثقافاتهم المختلفة وأنماط معيشتهم، ولا نتوقع أن نتحول إلى مجتمع استهلاكي من الطراز الأول، ولا يأتي إلينا من يرغب في تسويق خدماته وبضاعته بأقل الأسعار وأفضل العروض . إذن، ما يحدث ليس مفاجأة إلا لمن لم يدرس التاريخ ويعرف تصرف الزمان وتحرك المجتمعات وردود أفعال البشر . عدا ذلك فما حدث ويحدث على أرضنا كل يوم وذاك الذي سوف يحدث مستقبلاً هو نتيجة منطقية ومتوقعة لحركة مجتمعنا اليومية . فما الذي يجب علينا فعله إذاً لتلافي المزيد من الضرر؟ لندرس حركة المجتمعات المتقدمة عنا، بل ولنأخذ دروساً من بعض المجتمعات الخليجية التي عانت من بعض القضايا ونضع استراتيجيات وسيناريوهات متوقعة وحلولاً جاهزة . كما يمكن إنشاء مراصد اجتماعية واقتصادية لرصد حركة المجتمع والمتغيرات المحتملة ووضع الاستراتيجيات الكفيلة بتوفير حلول جاهزة وسريعة عوضاً عن الانتظار إلى حين البت في الأمر .

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"