.. زمن الآلة الطابعة زمن الأبيض والأسود، زمن الكتابة بالحبر بتلك الأذرع الحديدية المخشخشة فوق شريط حريري اسود.
كتب على الآلة الطابعة همنغواي، وماركيز، روايات أوصلتهما إلى نوبل، أما الممثل الأمريكي بطل فيلم (مفترق طرق) فقد كانت الآلة الطابعة حاضرة على مدار مجموعته القصصية (نمط غير شائع.. بعض القصص)، وصدرت منقولة إلى العربية عن دار (روايات) في الشارقة.
لا توجد الآن آلات طابعة بصناعتها الأولية التي نعرفها في النصف الأول من القرن العشرين، وإذا وجدت فهي في متاحف الخردة وكل ما هو قديم وعتيق من صنع الإنسان، لكنها مع ذلك ذاكرة زمن ثقافي جميل.
كان والد إدوارد سعيد يمتلك متجراً كبيراً لبيع أدوات القرطاسية في القدس، وكان يبيع الآلات الطابعة، ولكن سيرة صاحب (الاستشراق) لم تشر إلى أنه كان يستخدم الآلة الطابعة في الكتابة. كان إدوارد سعيد كاتب أقلام شأنه شأن أبناء جيله من الشعراء والمفكرين والروائيين. أقلام الشيفر والباركر، وفيما بعد أقلام الووترمان المملوءة بالحبر الأسود الصّيني.
الكتّاب العرب، عموماً، كُتّاب أقلام، ونادراً ما يستعملون الآلات الطابعة. وربما يعود ذلك إلى العلاقة الروحية والجمالية بين الكاتب العربي والخط العربي، وبعض الكتّاب يكتب بقلم الحبر كما لو أنه يرسم.
في العام 1982 اشتريت آلة طابعة، وكنت أكتب الشعر بيدي وبقلم الباركر، أوّل قلم حبر تلقيته هدية من عمّي محمد، وإلى اليوم وأنا في الستين لم أنس ذلك القلم الدفّاق، الحبر كما لو أنه نبع عسل أسود، آنذاك، تولّت شقيقتي زينب طباعة ما أكتبه بالقلم على الآلة، وكانت في نحو الخامسة عشرة من عمرها، ولا أدري كيف تعلّمتْ هي الطباعة. كانت تطبع وتقرأ ما أكتبه، وتبتسم، وهي اليوم جدّة في الستين من عمرها، ما زالت تبتسم حين أذكرها بتلك الآلة الصغيرة، ولكن ثقيلة، ويا ليت أنها بقيت إلى الآن من بين ما بقي من بيت أبي الذي لم يكن يقرأ ولم يكن يكتب ولكن.. من هناك، ومن وجه ذلك الأب ومن روحه ومن بساطته العصية على أي لغة.. عرفت الكتابة..
نترك أشياءنا وراءنا، ونسافر ونترحّل ونهاجر، ثم فجأة نتذكر قلماً أو درّاجة أو سجّادة، أو سيفاً معلّقاً في عمود وسط بيت الشعر للجدّ الطويل القامة، الأحمر الوجه، الممتلئ بعافية الزيت والزيتون.
كانت لجدّتي رحى حجرية دائرية لها مقبض على شكل عصا صغيرة تمسك بها وتجرش العدس والقمح والذرة على تلك الرّحى التي أكلنا من جريشها وشبعنا، ولم نعرف الجوع بذلك القليل من بقل الأرض.. ولكنه الكثير الكثير من وراء محراث ذلك الجدّ صاحب السيف..
[email protected]